أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه

أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزوجاته

رغم شهرة الصِّدِّيق رضي الله عنه التي لا تخفى على أحد، إلا أن مسلمون كثر لا يعلمون من هم أبناء أبي بكر الصديق، وكم عددهم، وما هي مناقبهم، لذا فإننا اليوم على موعد مع نذر يسير من سيرتهم العطرة كي نستضيء بقبس من نورهم؛ فقد تربوا في بيت إسلامي من الدرجة الأولى، واستقوا من أبيهم حب الإسلام، والحياة به وله، فكان كلًا منهم نموذجًا إيمانيًا فريدًا.

زوجات أبي بكر الصديق

قبل أن نتطرق للحديث عن أسماء أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخبارهم، لابد من إشارة سريعة إلى زوجاته، فقد تزوج أربعة زوجات، منهن من تزوجهن في الجاهلية، ومنهن من كان زواجه بهن في الإسلام، وهن بالترتيب كما يلي:

ززوجات و أبناء أبي بكر الصديق

1- قتيلة بنت عبد العزى

كانت أولى زوجات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنجبت له أسماء وعبد الله، وطلقها في الجاهلية، واختلف المؤرخون فيما إذا كانت أسلمت أم لا، فقد أتت لزيارة ابنتها أسماء في المدينة وكانت ما زالت كافرة، فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: “قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قُلتُ: وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ”. [صحيح البخاري]

قيل أن المقصود بـ (وهي راغبة): أي أنها تتودد إلى ابنتها طالبةً برها، أو أنها كان تريد متاعًا أو شيئًا تعطيه أسماء لها، أو أنها كانت ما زالت راغبة عن الإسلام باقيةً على كفرها، وسبب الاختلاف الحادث حول إسلامها أن هذه الزيارة كانت في الفترة التي عاهد فيها النبي صلى الله علي وسلم قريشًا بعد صلح الحديبية، وليس ثمة أثر يدل على إسلامها بعد هذا الحدث.

2- أم رومان

اختُلف في اسمها، فقيل اسمها دعد وقيل زينب، أبوها: عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب، وفي نسبها خلاف أيضًا، لكن الإجماع على أنها من بني غنم بن مالك بن كنانة، نشأت في الجزيرة العربية بمنطقة تسمى (السراة)، تميزت بالفصاحة والأدب، وتزوجت قبل أبي بكر الصديق بالحارث بن سخيرة الأزدي، وأنجبت له الطفيل، وتوفي عنها قبل الإسلام بعد أن قدم معها إلى مكة، وكان قد دخل في حلف أبي بكر الصديق، فنكحها رضي الله عنه بعد موته واعتنى بولدها؛ إكرامًا لصاحبه.

أنجبت اثنان من أولاد أبي بكر الصديق هما: عبد الرحمن وعائشة، ولما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم أبو بكر، أتى أهل بيته يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابت له زوجه أم رومان، وكان النبي كثيرًا ما يزور الصديق في بيته، فكانت تستقبله بالسعادة والترحاب، واختلف المؤرخون في وقت وفاتها.

أما الحديث المشهور الذي يخبر بوفاتها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لها: “اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك، وفى رسولك صلى الله عليه وسلم” فلا أثر له في كتب السنة ولم يثبت عن النبي، وكذلك الحال بالنسبة للأثر المشهور: “من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان”، فإنه لا يصح ولا يجوز تداوله.

ومن أشهر مواقفها مؤازرتها ودعمها لابنتها عائشة في حادثة الإفك، تقول عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل: ” فأتَيْتُ أبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: ما يَتَحَدَّثُ به النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي علَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ؛ فَوَاللَّهِ لَقَلَّما كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ولَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكْثَرْنَ عَلَيْهَا” [صحيح البخاري].

3- أسماء بنت عميس

هي أسماء بنت عميس بن معد الخثعمية، وأمها خولة بنت عوف بن زهير بن الحارث، كانت زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وأسلما مبكرًا قبل الهجرة، وهاجرا معًا إلى الحبشة، ورزقا فيها عبد الله وعونًا ومحمدًا، وعاشا فيها نحو 10 سنوات، ثم هاجرا منها إلى المدينة بعد غزوة خيبر، وفي السنة الثامنة من الهجرة استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم زوجها جعفر في سرية مؤتة فاستشهد فيها.

ولما انقضت عدتها خطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنها وتزوجها، فأنجبت له محمدًا في ذي الحليفة وقت الإحرام عام حجة الوداع، وظلت تحته إلى أن توفاه الله في العام الثالث عشر من الهجرة، وكان قد أوصى بأن تقف هي على غسله، ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لتكون بهذا الصحابية التي تزوجت ثلاث من رجال أهل الجنة، وماتت رضي الله عنها بعد موت زوجها علي بمدة قليلة.

ومن اللطائف ما رواه الشعبي بسند صحيح: “تزوج علي أسماء بنت عميس فتفاخر ابناها، محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال كل منهما: أبي خير من أبيك، فقال علي: يا أسماء اقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابًا كان خيرًا من جعفر، ولا كهلاً خيرًا من أبي بكر، فقال علي: ما تركت لنا شيئًا، ولو قلت غير هذا لمقتك. فقالت: والله إنَّ ثلاثة أنت أخسهم لخيار”.

وجدير بالذكر أنها أخت اثنتان من الصحابيات وميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد لها النبي صلى الله عليه وسلم ولأخواتها بالإيمان في الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الأخواتُ الأربعُ ، ميمونةُ، وأمُّ الفضلِ، وسَلمى، وأسماءُ بنتُ عُمَيسٍ أختُهنَّ لأُمِّهنَّ مؤمناتٌ”. [صحيح الجامع].

4- حبيبة بنت خارجة بن زيد

قيل اسمها مليكة، لكن الصحيح أنها حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث، صحابية أنصارية خزرجية، أبوها خارجة بن زيد الأنصاري البدري، استشهد في أحد عام 3 هجريًا، و كان أحد النقباء الاثني عشر الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية، ولما هاجر أبو بكر الصديق إلى المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.

أخوها الصحابي زيد بن خارجة البدري، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه وهو الذي تكلم بعد موته في الواقعة المشهورة، أمها هُزَيْلَة بنت عنبة (وقيل: هزيلة بنت عتبة، تزوجها أبو بكر الصديق وكان يقيم معها بالسنح، وتوفي وقت حملها بابنته أم كلثوم، وتزوجها بعده خبيب بن أساف بن عتبة بن عمر.

ورغم أنها لم تروي شيئٍا من أحاديث رسول الله إلا أن لها ذكر فيها، ففي الحديث الطويل عن عائشة رضي الله عنها قال: “اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مِنْهُ خِفَّةً أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ خَارِجَةَ فِي حَدٍّ فَأَذِنَ لَهُ”، وأشير إليها في حديث آخر سنأتي على ذكره لاحقًا.

كم عدد أبناء أبي بكر الصديق؟

Advertisement

رُزق أبو بكر الصديق بثلاثة أبناء قبل الإسلام، هم: عبد الرحمن، وعبد الله، وأسماء، وأسلموا جميعًا، وولدت عائشة رضي الله عنها في مكة بعد الإسلام، بينما رُزق محمدًا في المدينة عام حجة الوداع، أما أم كلثوم فلم يرها؛ حيث وًلدت بعد موته، وهكذا يكون عدد أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه ستة أبناء، ثلاثة من الذكور، وثلاثة من الإناث، فهيا بنا سويًا نعرف من هم أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

أبناء أبي بكر الصديق

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

هو أكبر أولاد أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعًا، وُلد بمكة قبل الإسلام، وترعرع على أرضها مرتشفًا من فصاحة أهلها وبلاغتهم، فكان شاعرًا مُجيدًا، وتاجرًا بارعًا كما أبيه، وراميًا ماهرًا، حتى أنه قتل يوم اليمامة سبعة من كبار المرتدين رميًا بسهامه، منهم محكم بن الطفيل الرجل الثاني بعد مسيلمة الكذاب.

وفي الوقت الذي كان فيه والده أول الناس إسلامًا، والصِّدِّيق الأكبر، وثاني اثنين، ورغم إسلام أمه وإخوته في وقت مبكر، ظل هو متمسكًا بدين قومه، يذود عن أصنامهم، رافضًا دعوة أبيه رغم إجلاله له، حتى أنه حارب إلى جانب قريش في غزوة بدر، وكان أبرز الرماة في جيش المشركين في غزوة أحد.

إسلامه

بعد بضع سنين من الهجرة، وقبل فتح مكة، استقر الإيمان في قلب عبد الرحمن بن أبي بكر، وأيقن أنه الحق المبين، فانطلق مهاجرًا إلى المدينة راغبًا في الإسلام مقبلًا إليه بقلبه، لا يدفعه طمع ولا خوف، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يرقبه بغبطة والسعادة تتألق في وجه.

وهكذا أصبح أبناء أبي بكر الصديق كلهم على دين الإسلام، فانطلق يسخر طاقاته في خدمة دين الله والبذل له، فشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم كل غزواته التي تلت إسلامه، وظل مجاهدًا ثابتًا على طريق الحق في زمن الخلفاء الراشدين، إلى أن توفي عام 53 هجريًا، وقيل عام 55 هجريًا، ودُفن في أعالي مكة، وتصدقت عنه شقيقته عائشة رضي الله عنها بعد موته فأعتقت رقابًا.

روايته للحديث

روى عبد الرحمن بن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وكان أكثرها في باب الأطعمة، وروى عنه اثنان من أبنائه، هم: حفصة وعبد الله، وأيضًا ابن أخيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن أوس الثقفي، وابن أبي مليكة، وغيرهم.

عبد الله بن أبي بكر الصديق

Advertisement

كان رضي الله عنه أحد الصحابة من الرعيل الأول، مهاجري جليل من المؤمنين الأوائل، نشأ في مكة في خير بيت؛ فهو ابن الصدِّيق وسَميُّه، وشقيق ذات النطاقين، استجاب لأبيه لمَّا دعاه للإيمان فأسلم من فوره، وكان أحد أبناء أبي بكر الصديق الذين شاركوا في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، تزوج بعاتكة بنت زيد رضي الله عنها، ولم يكن له ولد.

دوره في الهجرة

يتمحور دور عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في الهجرة النبوية في أنه كان عينًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الفترة التي قضياها في الغار، فكان يتَسمَّع نهارًا لما يدور من أحاديث في نوادي قريش ومجالسهم فيما يتعلق ببحثهم عن محمد وصاحبه، وما يقومون به من تحركات في هذا الشأن، وآخر ما تم من تطورات.

وحين يسدل الليل أستاره يتسلل خفيةً إلى الغار، يقص على النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من أخبار قريش وما يحيكونه من مكائد ومكر، الأمر الذي ساعده صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في تحديد الوقت المناسب للخروج من الغار وأي طريق يسلكان للوصول إلى المدينة بأمان بعيدًا عن مواطن تربص قريش.

هذا ما ذكرته عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح الطويل، قالت: “… ثُمَّ لَحِقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَبُو بَكْرٍ بغَارٍ في جَبَلٍ يُقَالُ له: ثَوْرٌ، فَمَكُثَ فيه ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُما عبدُ اللَّهِ بنُ أبِي بَكْرٍ، وهو غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فَيَرْحَلُ مِن عِندِهِما سَحَرًا، فيُصْبِحُ مع قُرَيْشٍ بمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكَادَانِ به إلَّا وَعَاهُ، حتَّى يَأْتِيَهُما بخَبَرِ ذلكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ” [صحيح البخاري].

صفاته

في الحديث السابق إشارة إلى ذكاء عبد الله بن أبي بكر الصديق وفطنته وسرعة بديهته، حيث وصفته أخته عائشة بأنه (لقِن) أي: سريع الفهم، و(ثقِف) أي: حاذق فطن، ومن صفاته أيضًا التي نستشفها من الحديث أنه كان جريئًا شجاعًا، عنده من الدهاء ما مكنه من خداع قريش، ومن الإيمان واليقين ما دفعه لمواجهة الخطر والتضحية بنفسه فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

هجرته

ورد في تاريخ الطبري أنه لما أبلَغ عبد الله بن أريقط –دليل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة- عبد الله بن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم وأباه حطا رحالهما في المدينة، انطلق بأهل بيته بطلب منه مهاجرين إلى مدينة رسول الله، فهاجر معه من أبناء أبي بكر الصديق أسماء وعائشة رضي الله عنهم، وصحبتهم زوجته أم رومان، وكان معهم أيضًا طلحة بن عبيد الله.

جهاده واستشهاده

يذكر أهل السير والتراجم أن عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما لم يشهد من المغازي إلا ثلاث، هم: فتح مكة، وحنين، والطائف التي أصيب فيها إصابةً نافذة كانت السبب في وفاته؛ فإنه لما نصب الرسول صلى الله عليه وسلم المنجنيق وأطلق قذائفه إلى أن تهدم جزء كبير منه، وقتل وأصيب عدد كبير من أهل الطائف، انطلق بعض الصحابة إلى الجدار لإحراقه، فأطلق أهل الطائف سهامهم عليهم فقتل عدد منهم وأصيب آخرون منهم عبد الله، والذي أصابه هو أبو محجن الثقفي، وقيل: بل هو سعيد بن عبيد.

وظل رضي الله عنه يعاني من أثر هذا السهم زمنًا طويلًا قبل أن يندمل ويشفى منه، ولكن حدث أن انتقض جرحه مرة أخرى فمات به في شوال عام 11 هجريًا، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأيام قلائل، فعن القاسم بن محمد، قال: “رُمي عبد الله بن أبي بكر بسهم يوم الطائف، فانتقَضَت به بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين ليلة” [رواه الحاكم في المستدرك].

كان هذا في أوائل أيام خلافة أبيه أبو بكر الصديق، وحزنت عليه زوجته عاتكة حزنًا شديدًا، ونظمت هذه الأبيات ترثيه بها:

رُزِئْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ وَبَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَمَا كَانَ قَصَّرَا
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرَا
فَلِلهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى أَكَرَّ وَأَحْمَى فِي الْهَيَاجِ وَأَصْبَرَا
إِذَا شَرَعَتْ فِيهِ الأَسِنَّةُ خَاضَهَا إِلَى الْمَوْتِ حَتَّى يَتْرُكَ الرُّمْحَ أَحْمَرَا

أسماء بنت أبي بكر الصديق

ولدت رضي الله عنها بمكة قبل أربعة عشر عامُا من نزول الوحي، ونشأت في بيت أبيها الصديق رضي الله عنه، فاستقت منه الأخلاق الرفيعة، والفطرة النقية السليمة، فلما بزغت شمس الإسلام في مكة، وحاز أبوها السبق إلى الإيمان، سارعت إلى نطق الشهادتين فور أن دعاها أبوها إلى دين الله، فلحقت بركب السابقين الأولين الذين امتدحهم الله حين قال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

زواجها من الزبير بن العوام

تزوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان فقيرًا حينئذ، ورغم ثراء أبيها إلا أنها كانت نعم الزوجة الصالحة الصابرة على فقر زوجها وقلة ذات يده، تحتسب أجرها على الله.

تقول أسماء رضي الله عنها: “تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وما له في الأرْضِ مِن مالٍ ولا مَمْلُوكٍ، ولا شَيءٍ؛ غيرَ ناضِحٍ وغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أعْلِفُ فَرَسَهُ، وأَسْتَقِي الماءَ، وأَخْرِزُ غَرْبَهُ، وأَعْجِنُ، ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وكانَ يَخْبِزُ جاراتٌ لي مِنَ الأنْصارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِن أرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتي أقْطَعَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى رَأْسِي، وهي مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ.

فَجِئْتُ يَوْمًا والنَّوَى علَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصارِ، فَدَعانِي، ثُمَّ قالَ: إخْ إخْ؛ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أَسِيرَ مع الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وغَيْرَتَهُ، وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ، فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلتُ: لَقِيَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعلَى رَأْسِي النَّوَى، ومعهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فأناخَ لِأرْكَبَ، فاسْتَحْيَيْتُ منه وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فقالَ: واللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَلَيَّ مِن رُكُوبِكِ معهُ، قالَتْ: حتَّى أرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ بَعْدَ ذلكَ بخادِمٍ تَكْفِينِي سِياسَةَ الفَرَسِ، فَكَأنَّما أعْتَقَنِي” [صحيح البخاري].

ذات النطاقين

ومن أجلِّ مناقبها دورها في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما جاء النبي يخبر أبا بكر الصديق بإذن الله لهما بالهجرة، أسرعت مع أختها عائشة في إعداد طعام يأخذانه معهما، تقول عائشة رضي الله عنها: ” قالَتْ: فَجَهَّزْنَاهُما أحَثَّ الجِهَازِ؛ وضَعْنَا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أسْمَاءُ بنْتُ أبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِن نِطَاقِهَا، فأوْكَأَتْ به الجِرَابَ (أي: أغلقته)، ولِذلكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ”. [صحيح البخاري].

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: “كانَ أهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ؛ يقولونَ: يا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَقالَتْ له أسْمَاءُ: يا بُنَيَّ، إنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بالنِّطَاقَيْنِ، هلْ تَدْرِي ما كانَ النِّطَاقَانِ؟ إنَّما كانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ، فأوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأَحَدِهِمَا، وجَعَلْتُ في سُفْرَتِهِ آخَرَ. قالَ: فَكانَ أهْلُ الشَّأْمِ إذَا عَيَّرُوهُ بالنِّطَاقَيْنِ، يقولُ: إيهًا والإِلَهِ، تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا”. [صحيح البخاري].

ابنها أول مولود في دار الهجرة

ولدت أسماء بنت أبي بكر للزبير رضي الله عنهما عبد الله، وعروة، والمنذر، وعاصم، وأم حسن، وعائشة، وكان عبد الله أول أبنائها، بل كان أول مولود يولد للمسلمين بعد الهجرة، تقول أسماء رضي الله عنها: “أنَّهَا حَمَلَتْ بعَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وأَنَا مُتِمٌّ، فأتَيْتُ المَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بقُبَاءٍ.

ثُمَّ أتَيْتُ به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَوَضَعْتُهُ في حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ في فِيهِ، فَكانَ أوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بتَمْرَةٍ ثُمَّ دَعَا له، وبَرَّكَ عليه، وكانَ أوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ في الإسْلَامِ. [وفي رِوايةٍ]: أنَّهَا هَاجَرَتْ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهي حُبْلَى”. [صحيح البخاري].

جودها وكرمها

كانت رضي الله عنها سخية كريمة كأبيها، وشهد شاهد من أهلها، يقول ابن الزبير رضي الله عنهما: “ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء، وجُودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئا إلى غد”. [رجاله ثقات، ورواه الذهبي في تاريخه].

وكان جودها امتثالًا لنصح النبي صلى الله عليه وسلم، تقول رضي الله عنها: “قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما لِيَ مَالٌ إلَّا ما أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ؛ فأتَصَدَّقُ؟ قالَ: تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فيُوعَى عَلَيْكِ” [صحيح البخاري]، أي لا تمسكي عن الإنفاق في السبيل لله ما دمتِ قادرة عليه، فيكون إمساكك وبالًا عليكِ؛ بأن يمنع عنك البركة والنماء والزيادة.

عبادتها

اجتمع في أسماء رضي الله عنها كثير من خصال الخير؛ فكانت بارة بأبويها، طائعة لزوجها، تحفظه في نفسها وبيته وماله، عابدة تقية قائمة بحق ربها، وها هو ذا ابنها عروة ابن الزبير يقص علينا بسند صحيح شيئًا من عبادتها، فيقول: “دخلت على أسماء بنت أبي بكر وهي تصلي فسمعتها وهي تقرأ هذه الآية {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} فاستعاذت، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال علىّ أتيت السوق ثم رجعت وهي في بكائها تستعيذ”.

موقفها مع ابنها عبد الله بن الزبير

ورثت أسماء عن أبيها الشجاعة، وعزة النفس، وقوة العزيمة، شأنها في هذا شأن أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فانظر إليها لما دخل عليها ابنها عبد الله بن الزبير بعد أن رفض مبايعة يزيد بن معاوية بالخلافة، وتحصن بالكعبة وأتباعه من بطش الحجاج بن يوسف الثقفي، وكانت حينئذ تجاوز عمرها المائة عام، وكُف بصرها، قال : “يا أماه، ما ترين؟ قد خذلني الناس، وخذلني أهل بيتي. فقالت: لا يلعبن بك صبيان بني أمية.

عش كريماً ومت كريماً، والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسناً بعد أن تقدمتني أو تقدمتك فإن في نفسي منك حرجًا حتى أنظر إلى ما يصير أمرك، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذاك النحيب والظماء في هواجر المدينة وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك ورضيت فيه بقضائك فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين، فرد عنها وقال: يا أماه لا تدعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده، قالت: لن أدعه لله، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق.. فخرج”.

وفي رواية أخرى: “دخل عليها وقد كف بصرها فسلم، فقالت من هذا؟ فقال: عبد الله، فتشممته ثم قالت: يا بني مت كريمًا، فقال لها: إن هذا قد أمنني (يعني الحجاج)، قالت: يا بني لا ترض الدنية؛ فإن الموت لا بد منه، قال: إني أخاف أن يُمَثَّل بي، قالت: إن الكبش إذا ذبح لم يأمن السلخ. فخرج. فقاتل حتى قتل”.

موقفها مع الحجاج

وبالفعل استشهد عبد الله بن الزبير، وأمر الحجاج بصلبه في المسجد الحرام، وروي بسند صحيح أنه: “لما ظفر الحجاج على ابن الزبير فقتله ومثل به، ثم دخل على أم عبد الله وهي أسماء بنت أبي بكر، فقالت: كيف تستأذن علي وقد قتلت ابني؟ فقال: إن ابنك ألحد في حرم الله، فقتلته ملحدًا عاصيًا حتى أذاقه الله عذابًا أليمًا، وفعل به وفعل، فقالت: كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين، والله لقد قتلته صوامًا قوامًا برًا بوالديه، حافظًا لهذا الدين، ولئن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك.

ولقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما أشر من الأول، وهو المبير”، وما هو إلا أنت يا حجاج”، وفي رواية أخرى دخل عليها فقال لها: “يا أمه، إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لكِ من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة”.

وفاتها

عاشت رضي الله عنها نحو قرنٍ من الزمان، وظلت إلى يوم موتها محتفظة برجاحة عقلها، وصواب رأيها، وشموخها وعزتها، ولم يسقط لها سن، وكان موتها بعد مقتل ابنها عبد الله ببضع ليالٍ عام 73 هجريًا، فكانت آخر من مات من المهاجرين والمهاجرات، وروت في حياتها نحو 56 حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل 58 حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة عشر حديثًا منها.

عائشة بنت أبي بكر الصديق

Advertisement

والآن نحن على موعد مع درة التاج من بين أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الصِّدِّيقة بنت الصِّديق، الزاهدة الورعة التقية، الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه، أم المؤمنين أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التيمية رضي الله عنها.

جمعت بين جمال الظاهر والباطن، فكانت جميلة حسناء، وأطلق عليها: الحُميراء لبياض بشرتها، وكانت فصيحة بليغة، وأعلم نساء الأمة، وُلدت في الإسلام قبل الهجرة، فسُقيت بماء الإيمان والوحي منذ نعومة أظفارها في بيت أبيها المبارك، وشبَّت في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت جناحه.

زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم

من بركتها رضي الله عنها أن زواجها من خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كان بوحي من الله في رؤية صادقة، ورؤيا الأنبياء حق كما هو معلوم، تقول عائشة رضي الله عنها: “أُرِيتُكِ قَبْلَ أنْ أتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُ المَلَكَ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ له: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُنْ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ، ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ، فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ”. [رواه البخاري ومسلم].

وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين بعد أن عرضتها عليه خولة بنت حكيم رضي الله عنها بعد وفاة خديجة، ولم يدخل بها إلا في المدينة بعد غزوة بدر وهي ابنة تسع وفقًا لرواية عائشة، قالت رضي الله عنها: ” تزوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا ابنةُ ستِّ سِنينَ بمكَّةَ، مُتَوَفَّى خَديجةَ، ودخَلَ بي وأنا ابنةُ تِسعِ سِنينَ بالمدينةِ” [رواه أحمد بسند صحيح]. ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكرًا سواها.

روايتها للحديث

وهكذا سكنت عائشة رضي الله خير بيت رغم تواضعه وقلة متاعه، وتنعمت بحسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته ولين جانبه ومحبته لها التي لم يجاريها فيها أحد، فنهلت من العلم نهلًا، وتشربت القرآن والسنة من منبعهما الأصيل، فغدت شمسًا يهتدي بها القريب والبعيد.

وبلغ مجموع رواياتها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 2081 حديثًا، فكانت أكثر مَن حدَّث عنه من الصحابة بعد أبي هريرة رضي الله عنه، وشهد لها الصحابة بغزارة علمها، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: “ما أشكَل علينا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ قط، فسألنا عائشة رضي الله عنها، إلا وجَدنا عندها منه علم” [صححه الألباني].

تودد النبي صلى الله عليه وسلم لها

أكرم النبي صلى الله عليه وسلم زوجه عائش، وكان يقدر صغر سنها وحاجتها إلى اللهو كأترابها، فلم يمنعها، بل كان يدعو صويحباتها إلى بيت النبوة للعب معها، وفي هذا تقول عائشة رضي الله عنها: “قَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَوْمًا علَى بَابِ حُجْرَتي والحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ في المَسْجِدِ، ورَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَسْتُرُنِي برِدَائِهِ، أنْظُرُ إلى لَعِبِهِمْ، فاقْدُروا قَدرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ، الحَريصةِ على اللهْوِ” [صحيح البخاري].

وتقول أيضًا: “قدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوةِ تبوكٍ –أو خيبرٍ– وفي سهوتِها سترٌ، فهَبَّتْ ريحٌ، فكَشَفَتْ ناحيةَ السِّتْرِ عن بناتٍ لعائشةَ –لَعِبٌ– فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ قالت: بناتي! ورأى بينَهُنَّ فرسًا له جَناحانٍ مِن رِقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وَسَطَهُنَّ؟ قالت: فَرَسٌ، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جَناحان، قال: فرسٌ له جَناحانِ؟ قالت : أما سَمِعْتَ أن لسليمانَ خيلًا لها أجنحةً؟ قالت: فضَحِكَ حتى رَأَيْتُ نواجذَه” [صحيح أبي داود].

منزلتها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم

دلَّ كثير من الأحاديث الصحيحة على شدة محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها، ومكانتها في قلبه، إما إشارةً أو تصريحًا، ومنها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: “أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَهُ علَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فأتَيْتُهُ فَقُلتُ: أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَقُلتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أبُوهَا، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالًا”.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ” أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَاطِمَةَ بنْتَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْ عليه وَهو مُضْطَجِعٌ مَعِي في مِرْطِي، فأذِنَ لَهَا، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ العَدْلَ في ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قالَتْ فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ؟ فَقالَتْ: بَلَى، قالَ فأحِبِّي هذِه.

قالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذلكَ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَرَجَعَتْ إلى أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأخْبَرَتْهُنَّ بالَّذِي قالَتْ، وَبِالَّذِي قالَ لَهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلْنَ لَهَا: ما نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِن شيءٍ، فَارْجِعِي إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَقُولِي له: إنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ العَدْلَ في ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا” [صحيح مسلم].

بعض مناقبها

رغم تعدد فضائل أبناء أبي بكر الصديق ومناقبهم إلا أن عائشة كانت أفضلهم جميعًا، يكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حقها: “كَمَلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعامِ” [صحيح البخاري]، ونظرًا لأن المقام لا يتسع للإسهاب في فضائلها الغزيرة فنشير فيما يلي إلى بعضها بإيجاز:

جبريل يقرئها السلام

رُوي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ” أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ لَهَا: يا عَائِشَةُ هذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ، فَقالَتْ: وعليه السَّلَامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ، تَرَى ما لا أرَى، تُرِيدُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ”. [صحيح البخاري].

نزول الوحي في لحافها

تحكي عائشة رضي الله عنها أنه لما علم الناس بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، كانوا يتحرون بومها ليرسلوا هداياهم له، فطلب زوجات النبي من أم سلمة أن تطلب منه أن يكلم الناس: مَن أراد إهدائه شيئًا فليفعل حيثما كان من بيوت نسائه، قالت: ” فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بما قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شيئًا، فَسَأَلْنَهَا، فَقالَتْ: ما قالَ لي شيئًا، فَقُلْنَ لَهَا: فَكَلِّمِيهِ، قالَتْ: فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إلَيْهَا أيضًا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شيئًا، فَسَأَلْنَهَا، فَقالَتْ: ما قالَ لي شيئًا، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ إلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقالَ لَهَا: لا تُؤْذِينِي في عَائِشَةَ؛ فإنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وأَنَا في ثَوْبِ امْرَأَةٍ إلَّا عَائِشَةَ، قالَتْ: فَقالَتْ: أتُوبُ إلى اللَّهِ مِن أذَاكَ يا رَسولَ اللَّهِ” [رواه البخاري].

نزول آية التيمم بسببها

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “خَرَجْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، حتَّى إذَا كُنَّا بالبَيْدَاءِ أوْ بذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فأقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى التِمَاسِهِ، وأَقَامَ النَّاسُ معهُ ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، فأتَى النَّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقالوا: ألَا تَرَى ما صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أقَامَتْ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسِ ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، وليسَ معهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أبو بَكْرٍ ورَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واضِعٌ رَأْسَهُ علَى فَخِذِي قدْ نَامَ.

فَقالَ: حَبَسْتِ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسَ، ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، وليسَ معهُمْ مَاءٌ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وقالَ: ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ وجَعَلَ يَطْعُنُنِي بيَدِهِ في خَاصِرَتِي، فلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ أصْبَحَ علَى غيرِ مَاءٍ، فأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ: ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرٍ، قالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذي كُنْتُ عليه، فأصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ”. [صحيح البخاري]. فتأمل كيف كان الصحابة يشهدون بفضل أبناء أبي بكر الصديق وأهله وبركتهم.

حادثة الإفك

لو لم يكن لعائشة منقبة إلا تبرئة القرآن لها في حادثة الإفك لكفى، تلك الحادثة التي ارتجفت لها قلوب المؤمنين، وزلزلت أركان المجتمع المسلم؛ كيف لا وزوج النبي صلى الله عليه وسلم وحبيبته متهمة في عرضها! فما بالك كيف كان وقع الخبر على قلبها وعلى قلب أبويها! أيام أليمة مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه وقف يخطب في الناس قائلًا: “من يَعْذِرُنِي مِن رَجُلٍ بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِي؟! فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ علَى أهْلِي إلَّا خَيْرًا، وقدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خَيْرًا”

وكانت عائشة مكثت شهرًا مريضة لا تدري شيئَا عما يلوكه الناس عنها، وكانت تستشعر تغير النبي صلى الله عليه وسلم ولا تدري ما السبب، إلى أن برئت من مرضها وعلمت ما يتحدث به الناس، فاستأذنت من النبي صلى الله عليه وسلم أن تزور أهلها لتتأكد مما يقال عنها، ومكثت عندهم ليلتين لا تكف عن البكاء، إلى أن جاءها النبي صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة: “فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: يا عَائِشَةُ، فإنَّه بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وكَذَا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وتُوبِي إلَيْهِ؛ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عليه، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرَةً، وقُلتُ لأبِي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِيما قَالَ، قَالَتْ: واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قَالَتْ: وأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لا أقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ.

فَقُلتُ: إنِّي واللَّهِ لقَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمْ سَمِعْتُمْ ما يَتَحَدَّثُ به النَّاسُ، ووَقَرَ في أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ به، ولَئِنْ قُلتُ لَكُمْ: إنِّي بَرِيئَةٌ -واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَبَرِيئَةٌ- لا تُصَدِّقُونِي بذلكَ، ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأَمْرٍ -واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُنِّي، واللَّهِ ما أجِدُ لي ولَكُمْ مَثَلًا إلَّا أبَا يُوسُفَ إذْ قَالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ علَى فِرَاشِي وأَنَا أرْجُو أنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ، ولَكِنْ واللَّهِ ما ظَنَنْتُ أنْ يُنْزِلَ في شَأْنِي وحْيًا، ولَأَنَا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يُتَكَلَّمَ بالقُرْآنِ في أمْرِي، ولَكِنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ”.

نزول الوحي بالبراءة

تقول عائشة: “فَوَاللَّهِ ما رَامَ مَجْلِسَهُ ولَا خَرَجَ أحَدٌ مِن أهْلِ البَيْتِ، حتَّى أُنْزِلَ عليه الوَحْيُ، فأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ في يَومٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَضْحَكُ، فَكانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا أنْ قَالَ لِي: يا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللَّهَ؛ فقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ، فَقَالَتْ لي أُمِّي: قُومِي إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: لا واللَّهِ، لا أقُومُ إلَيْهِ، ولَا أحْمَدُ إلَّا اللَّهَ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] الآيَاتِ”. [صحيح البخاري].

فانظر إلى كرامة عائشة وفضلها، لم يرض الله لها أن تكون براءتها في رؤية عابرة، أو بشرى للنبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها ملك من السماء، ولكنه أبى إلا أن تكون براءتها آيات قرآنية تشهد بطهرها يتلوها الناس إلى يوم الدين؛ حتى يعرف الكون كله مكانتها وشرفها رغم كيد الكائدين ومكرهم.

وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في حجرتها

لما نزل مرض الموت برسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يُمرَّض في بيت عائشة لشدة حبه لها، فكان كل يوم يسأل: “أينَ أنَا غدًا”، فأذن له نساؤه بالمكث عند عائشة، إلى أن مات في حجرها وهو مستندٌ إلى صدرها، وكان ريقها آخر ما خالط ريقه الشريف، تقول عائشة: “أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ؛ يقولُ: أيْنَ أنَا غَدًا؟ أيْنَ أنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَومَ عَائِشَةَ، فأذِنَ له أزْوَاجُهُ يَكونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكانَ في بَيْتِ عَائِشَةَ حتَّى مَاتَ عِنْدَهَا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ في اليَومِ الذي كانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ، في بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وإنَّ رَأْسَهُ لَبيْنَ نَحْرِي وسَحْرِي، وخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي، ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبِي بَكْرٍ ومعهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ به، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ له: أعْطِنِي هذا السِّوَاكَ يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فأعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فأعْطَيْتُهُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَنَّ به وهو مُسْتَنِدٌ إلى صَدْرِي”. [صحيح البخاري].

الفقيهة الربانية

وبعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ولم يتجاوز عمرها حينئذ الثامنة عشر، امتثلت عائشة رضي الله عنها لقول ربها في كتابه العزيز: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34]، فأخذت تُحدث بكل ما وعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قيل أنها نقلت للأمة ربع الشريعة.

وفاتها

عاشت عائشة رضي الله عنه بعد رسول الله زمنًا طويلًا، فملأت الدنيا بعلمها وفقهها، وازدادت ورعًا على ورع، وتقوى على تقوى، انظر إليها لما حضرها مرض الموت واستأذن عليها ابن عباس رضي الله عنه، فأبت أن يدخلوه عليها، وقالت: “أخْشَى أنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فقِيلَ: ابنُ عَمِّ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِنْ وُجُوهِ المُسْلِمِينَ، قالَتْ: ائْذَنُوا له، فَقالَ: كيفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: بخَيْرٍ إنِ اتَّقَيْتُ، قالَ: فأنْتِ بخَيْرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ زَوْجَةُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، ونَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ. ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ، فَقالَتْ: دَخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ فأثْنَى عَلَيَّ، ووَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا” [رواه البخاري].

وكانت وفاتها يوم الاثنين ليلة الثلاثاء الثامن عشر من رمضان عام 58 هجريًا، ودفنت في نفس الليلة بعد الوتر في البقيع مع صويحباتها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما أوصت، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه، وكانت جنازتها مشهودة.

محمد بن أبي بكر الصديق

رغم أنه من أبناء أبي بكر الصديق إلا أنه يُعد تابعيًا لا صحابيًا؛ فقد كان مولده قبل أربعة أشهر تقريبًا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في حجة الوداع بذي الحليفة، فلم ينل شرف الصحبة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ بمُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ بالشَّجَرَةِ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ، يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ” [صحيح مسلم]، وقولها بالشجرة: أي بذي الحليفة.

عاش في كنف أبيه أبي بكر الصديق نحو عامين ونصف، فلما توفي تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمه أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فتربى في حجره بين أولاده، وكان مقربًا لعلي ويحبه ويحنو عليه ويعتبره كأحد أبنائه.

تزوج أم ولد، وقيل اسمها سودة، وأنجبت له القاسم، الذي تربى في كنف عمته عائشة رضي الله عنها بعد مقتل أبيه محمد بن أبي بكر، وكان عمره حينئذ سبعة أعوام، فتلقى العلم على يديها، واشتهر بفقهه وعلمه وفهمه، وكان أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وتوفي بقديد عام 130 هجريًا عن عمر يقارب 72 سنة.

محمد ابن أبي بكر في خلافة عثمان

لا نجد ذكرًا لمحمد بن أبي بكر في أثناء خلافة عمر؛ فقد كان ما زال صغيرًا لم يُكلف بأي مسؤولية شأنه شأن أترابه، ولما تولى عثمان الخلافة كان عمره وقتها نحو ثلاثة عشر عامًا، وأول ذكر له في كتب التاريخ كان مشاركته عام 31 هجريًا في قتال أهل النوبة في مصر الذين عُرفوا بـ (الأساود) ضمن جيش عبد الله بن أبي السرح، وشارك معه أيضًا في قتال الروم في معركة ذات الصواري عام 34 هجريًا.

هل شارك محمد بن أبي بكر الصديق في قتل عثمان؟

اتهم محمد ابن أبي بكر الصديق زورًا بقتل عثمان ابن عفان، والصحيح أنه كان ممن خرج عليه وتوثَّب عليه في داره ليقتله، لكنه رجع عن هذا بعدما ذكره عثمان بمكانته، وهذا وفقًا لما رواه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد -وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان-: “أنها كانت في الدار، ودخل محمد بن أبي بكر وأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه (سلاح ذو نصل طويل)، فيجأ بها في حلقه، فقال: مهلًا يا ابن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذًا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييًا نادمًا، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلًا حتى غلبوه فدخلوا، وخرج محمد راجعًا”.

أبرز أعمال محمد بن أبي بكر الصديق في خلافة علي

لم يكن لمحمد بن أبي بكر كثير فضائل كما إخوته من أبناء أبي بكر الصديق، ربما لأنه شب في زمن كانت فيه الأمة الإسلامية تموج في الفتن والاضطرابات، ومع هذا كان له ذكر في عهد علي، حيث استعمله في أكثر من مهمة كالتالي:

  • أرسله علي رضي الله عنه في جيش إلى أهل الكوفة يدعوهم لنصرته.
  • عيَّنه قائدًا لكتيبة (الرَّجَّالة) في جيشه يوم موقعة الجمل.
  • شهد مع علي موقعة صفين عام 37 هجريًا.
  • أسند إليه ولاية مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة سنة 37 هجريًا.

خطبته لما تولى مصر

ذكر الطبري في تاريخه أن محمد بن أبي بكر الصديق وقف في أهل مصر خطيبًا يوم ولاه علي عليها، فقال: “الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرًا مما عمي عنه الجاهلون، ألا إن أمير المؤمنين ولَّاني أموركم، وعهِد إلي ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيرًا ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى، فاحمدوا الله عز وجل على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملًا عمل غير الحق زائغًا، فارفعوه إلي، وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد، وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته” ثم نزل.

وفاته

بعد انقضاء موقعة صفين وما تلاها من واقعة التحكيم الشهيرة التي أسفرت عن ظهور الخوارج، قاتلهم علي قتالًا شديدًا، الأمر الذي أضعف جيشه مقارنةً بجيش معاوية في الشام، ثم ارتأى معاوية أن يضم ولاية مصر إلى الشام لتزداد قوته ولكثرة خراجها، فأرسل جيشًا بقيادة عمرو بن العاص لأخذ ولاية مصر من يد محمد بن أبي بكر الصديق، فكانت موقعة المسناة الشهيرة عام 38 هجريًا، وكان القتال فيها شديدًا.

وانتهت المعركة بإلقاء القبض على محمد بن أبي بكر من قِبل معاوية بن حديج، ومن ثم قتله، ولما بلغ عائشة خبر أخيها حزنت عليه حزنًا شديدًا. ونشير هنا إلى أن كل الروايات التي تحدثت عن أن معاوية بن حديج أحرق محمد بن أبي بكر بعد أن ألقاه في جيفة حمار، كلها لا تصح، بل هي من أكاذيب الشيعة وافتراءاتهم التي يروجون لها؛ بسبب تعصبهم لعلي بن أبي طالب وكرههم الشديد لمعاوية بن أبي سفيان وأبيه كما لا يخفى على أحد.

أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق

Advertisement

ونختتم حديثنا عن أبناء أبي بكر الصديق مع أصغرهم وهي أم كلثوم، ولدت بعد وفاة أبي بكر، وكان قد تنبأ بأن زوجته حبيبة ستلد أنثى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ” نحَلني أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ جادَّ عشرينَ وسقًا من مالِ الغابةِ، فلما حضرته الوفاةُ قال: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحبُّ إليَّ غنًى منكِ بعدِي، ولا أعزُّ عليَّ فقرًا بعدي مِنكِ، وإني كنت نَحلتُك جادَّ عِشرينَ وسقًا، ولو كنت جَددتِيه واحتَزْتيه لكان لكِ، وإنما هو اليومَ مالُ الوارثِ، وإنما هما أخواكِ وأختاكِ، فاقتسِموه على كتابِ اللهِ، قالت: فقلت: يا أبتِ، لو كان كذا وكذا لترَكتُه، إنما هي أسماءُ فمَن الأخرى؟ قال: ذو بطنِ ابنةِ خارجةَ، أُراها جاريةً” [صحيح].

تزوجها طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، أحد العشرة المبشرون بالجنة، وأنجبت له من البنين: يوسف ومات صغيرًا، وزكريا، ومن الإناث: عائشة، ومات عنها شهيدًا يوم موقعة الجمل، وقيل إنها تزوجت بعده عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة.

ثناء زوجها طلحة عليها

كان طلحة رضي الله عنها يعرف لأم كلثوم فضلها، فيروى أنه: “أتاه مال من حضرموت سبع مائة ألف، فبات ليلته يتململ، فقالت له زوجته: يا أبا محمد، ما لي أراك منذ الليلة تململ أرابك منا أمر فنعتبك؟ قال: لا، لنعم زوجة المرء أنت، ولكن تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال عنده في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلاقك؟ قال: وما هو؟ قالت: إذا أصبحت دعوت بجفان وقصاع فقسمتها على بيوت المهاجرين والأنصار على قدر منازلهم، فقال لها: يرحمك الله إنك ما علمت موفقة ابنة موفق، وهي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، فلما أصبح دعا بجفان وقصاع فقسمها بين المهاجرين والأنصار”.

حقيقة خطبة عمر ابن الخطاب لها

ورد في الآثار بضع روايات تزعم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب أم كلثوم بنت أبي بكر من عائشة رضي الله عنها، إلا أن أم كلثوم ردت طلبه، والحقيقة أن كل هذه الروايات ضعيفة، وهذه القصة لا تثبت، وإنما ثبت زواج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهو ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية بسندٍ صحيح، قال: ” تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَأَكْرَمَهَا إِكْرَامًا زَائِدًا; أَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِأَجْلِ نَسَبِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ”.

روايتها للحديث

حدثت أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق عن أختها عائشة رضي الله عنها، وأشهر ما روته عنها أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ علَّمَها هذا الدُّعاءَ: “اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ مِنَ الخيرِ كلِّهِ عاجلِهِ وآجلِهِ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ، وأعوذُ بِكَ منَ الشَّرِّ كلِّهِ عاجلِهِ وآجلِهِ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ من خيرِ ما سألَكَ عبدُكَ ونبيُّكَ، وأعوذُ بِكَ من شرِّ ما عاذَ بِهِ عبدُكَ ونبيُّكَ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الجنَّةَ وما قرَّبَ إليها من قَولٍ أو عملٍ، وأعوذُ بِكَ منَ النَّارِ وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عملٍ، وأسألُكَ أن تجعلَ كلَّ قَضاءٍ قضيتَهُ لي خيرًا”. [صحيح ابن ماجه].

وبختام حديثنا ننوه إلى أننا حرصنا كل الحرص على أن يكون جُلَّ ما ذكرناه هنا من معلومات عن أبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه مستندًا إلى أخبار صحيحة بعيدًا عما اشتهر وذاع من روايات ضعيفة ومنكرة، فأثبتنا لهم ما أثبتته لهم كتب أهل السنة والجماعة من محامد بلا مغالاة أو إجحاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *