أحاديث عن التوبة والاستغفار وبيان معنى التوبة وحكمها وشروطها

أحاديث عن التوبة واحاديث قدسية عن التوبة والاستغفار

إن من أجَلِّ ما امتن به الله علينا أن شرع لنا التوبة، وجعل بابها مفتوحاً لمن أراد الأوبة،
وها هو النبي يُرغِّبُنا فيها فيما صح عنه من أحاديث عن التوبة ويبين فضلها؛
فالإنسان خُلِق ضعيفاً، يسهو أحياناً فيغلبه شيطانه فيحيد عن سواء الصراط،

لذلك كانت التوبة هي سبيل النجاة للعبد إذا ما أحاطت بيه خطيئاته،
وزَلَّت أقدامه في وحل أهوائه وشهواته، فتعيده إلى مساره الصحيح الذي ارتضاه الله له.

وفيما يلي سنسلط الضوء على بعض ما جاء عن النبي من أحاديث عن التوبة والاستغفار
مع إشارةٍ سريعة إلى معنى التوبة وحكمها وشروطها.

معنى التوبة

التوبة في اللغة مأخوذة من مادة “ت- و- ب” وتعني الرجوع، فيقال: تاب إلى الله، أي: رجع إليه،
ويتوب عن معصيته توباً ومتاباً وتوبةً فهو توّاب وتائب، ويُقال: تاب الله على عبده، أي وفَّقه للرجوع إليه، فهو توَّاب،
ويُطلق لفظ “تائب” على فاعل التوبة وقابلها.

أما عن معناها في الاصطلاح فلا يختلف عن معناها اللغوي؛ فتُعرَّف التوبة بأنها:
الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وفي هذا يقول الإمام الطبري أن توبة العبد إلى ربه هي أوبته إليه،
ورجوعه عما يغضبه من الأفعال إلى ما يحبه ويرضاه.
ويُقال تاب توبةً نصوحاً: إذا تاب من ذنبه ثم لم يعُد إليه أبداً

حكم التوبة وشروطها

أجمع العلماء على أن حكم التوبة هو الوجوب، فالمسلم مُطالبٌ بأن يُبادر بالتوبة من كل ذنب يقترفه،
بل إنهم قالوا أن تأجيل التوبة في حد ذاته ذنب يستلزم التوبة، وقد تعددت أدلة وجوبها في القرآن والسنة،
ومن ذلك قول الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]،
وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8].

أحاديث عن التوبة والاستغفار وبيان معنى التوبة وحكمها وشروطها

ومن أدلة وجوبها أيضاً ما ثبت من أحاديث نبوية عن التوبة مثل:
حديث الأَغَرِّ بْن يَسار المُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يَا أَيُّها النَّاس تُوبُوا إِلى اللَّهِ واسْتغْفرُوهُ فإِني أَتوبُ في اليَوْمِ مائة مَرَّة” [رواه مسلم].

أمّا عن شروطها فهي ثلاث بلا خلاف إذا كانت المعصية في حق الله، وهي:
الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، وأن يعزم على عدم الرجوع إليه مرةً أخرى،
ولا تصح التوبة حال الإخلال بأي شرط من هذه الشروط،
أما إذا كانت المعصية في حق آدمي فيُضاف إلى هذه الثلاث شرطٌ رابعٌ وهو:
أداء الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم إلى أهلها.

يمكنك متابعة: شرح حديث أم زرع واستخلاص ما تضمنه من فوائد وعبر

أحاديث عن التوبة والاستغفار

نقلت لنا كُتب السنة أحاديث عن التوبة والاستغفار مما ثبتت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم،
منها ما يبين فضلها، ومنها ما يحث عليها ويأمر بها، ومنها ما يلي:

الحديث الأول

ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يا أيُّها الناسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإني أَتُوبُ في اليَومِ إليه مَائة مَرَة” [رواه مسلم].

شرح الحديث

ابتدأ الرسول حديثه بالنداء “يا أيها الناس”،
واختلف العلماء في المراد بالناس هنا ما بين قائل بأنها لفظة عامة يُراد بها الخصوص،
فيكون معناها: يا أيها الناس من أهل الإيمان، مصداقاً لقول الله تعالى:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]،
في حين يرى آخرون أنه لا وجود لما يمنع من أن يكون الخطاب موجهاً لعامة الخلق؛
فالتوبة مطلوبةٌ من الجميع بلا استثناء، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.

وتدل كلمة (توبوا) في كلٍ من الآية والحديث على أن الجميع بحاجة إلى الأوبة إلى الله مهما كانت درجة إيمانه؛
فما من أحد إلا وهو مُقصرٌ في أداء حق الله عليه، فالتوبة ليست مقصورة على ذنب دون غيره،
وإنما تجب التوبة عن كل تقصير وذنب، صغيراً كان أو كبيراً، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس بن مالك حين قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. [سنن الترمذي].

ومما يدل على هذا المعنى أيضاً قول النبي: “فإني أتوب إليه”،
فعلى علو منزلته وتمام عبوديته وهو المعصوم عن الخطأ يخبرنا أنه يتوب إلى الله في اليوم الواحد مائة مرة،
فكم مرة يحتاج أمثالنا لتكرار التوبة؟

ويرى بعض العلماء أن العدد ليس مقصوداً بذاته، إنما أُريدَ به الكثرة، ويُحتمل أنه كان يتوب أكثر من مائة مرة في اليوم،
فقد كان الصحابة يُحْصُون للنبي في الجلسة الواحدة مائة استغفار وتوبة؛
يقول: رب اغفر لي وتُب عليّ؛  تعبداً إلى ربه وتعليماً لأصحابه وأمته.

وقد روى صحابة آخرون أحاديث عن التوبة والاستغفار بنفس هذا المعنى،
ومنها حديث الأَغَرِّ بْن يَسار المُزنِيِّ المذكور أعلاه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً” [رواه البخاري].

تم كذلك كتابة : آيات الاستغفار والتوبة في القرآن | فضله وأثره وصيغه 

الحديث الثاني

لعلَّ من أرجى ما صح من أحاديث عن التوبة والاستغفار هذا الحديث
الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“إن الله عز وجل يبسُط يدَه بالليل؛ ليتُوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُط يدَهُ بالنهار؛ ليتُوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها” [رواه مسلم].

شرح الحديث

أحاديث عن التوبة والاستغفار وبيان معنى التوبة وحكمها وشروطها

يُظهر هذا الحديث عِظَم رحمة الله بنا وفضله الكبير علينا، حيث يخبر النبي عن ربه
أنه سبحانه يقبل توبة عبده حتى إن أجلَّها فلم يبادر بها بعد الذنب مباشرةً،
فإذا هو أذنب نهاراً ثم تاب ليلاً قبله الله ولم يرده، بل إنه يبسط يده لتلقي توبته فرحاً بها،
وبالمثل إذا عصاه ليلاً فلم يتب إلا نهاراً قبل توبته أيضاً وفرح بها.

ولكن يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث من خطورة تسويف التوبة وتأجيلها؛
فإن باب التوبة وإن كان مفتوحاً على مصراعيه لكل من أراد إلا أنه سيأتي وقت يُغلق فيه،
ولا تُقبل توبة أحد بعد ذلك أبداً لا ليلاً ولا نهاراً، وهو عند طلوع الشمس من مغربها،
حيث يكون هذا قريباً جداً من موعد قيام الساعة، بل هو أحد أشراطها الكبرى.

وإن كان هذا الحديث من أحاديث التوبة يحمل تحذيراً للأمة،
إلا أنه يحمل بشارةً أيضاً بقبول توبة كل من تاب إلى الله تعالى قبل طلوع الشمس من مغربها
مهما كان عظم ذنبه، واستنبط العلماء من هذا الحديث استحباب المبادرة إلى التوبة والإكثار منها.

ويشهد لهذا الحديث حديث آخر مما صح من أحاديث عن التوبة والاستغفار، وهو:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“مَنْ تابَ قبل أن تطلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها، تاب اللهُ عليه” [رواه مسلم].

وأجمع العلماء على أن الغرغرة عند الموت مثلها مثل طلوع الشمس من مغربها لا يُقبل بعدها توبة،
وهذا لما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“إن اللهَ يقبَلُ توبة العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ” {حديث حسن صحيح، سنن الترمذي].

تعرف كذلك على: حديث الرسول مع جبريل | شرح الحديث وأهم ما يُستفاد منه

الحديث الثالث

وكذلك من ضمن أحاديث عن التوبة ماجاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخافُ أنْ يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ علَى أنْفِهِ فقالَ به هَكَذا. قالَ أبو شِهابٍ: بيَدِهِ فَوْقَ أنْفِهِ.

ثُمَّ قالَ: لَلَّهُ أفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ، ومعهُ راحِلَتُهُ، عليها طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وقدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ، حتَّى إذا اشْتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ، قالَ: أرْجِعُ إلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فإذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ”. [رواه البخاري].

وزاد أنس بن مالك في روايته التي في صحيح مسلم: “فأخذ بخِطامِها، ثم قال من شدَّة الفَرَح: اللهُمَّ أنت عَبْدي وأنا ربُّكَ، أخطأ من شدَّة الفَرَح”.

شرح الحديث

كثيرٌ مما بلغنا من أحاديث نبوية عن التوبة جاءت بصيغة الأمر؛ للحث عليه والترغيب فيه بصورة مباشرة،
ولكن يختلف عنها هذا الحديث من حيث أسلوبه وقوة بيانه؛
حيث ضرب الرسول لنا مثالاً واضحاً يُوضح فيه فرحة الله بتوبة عباده وهو الغني عنهم سبحانه.

وابتدأ الحديث بوصف موقف كلٍ من المؤمن والمنافق من ذنوبهم،
أما المؤمن فشبهه برجلٍ يجلس أسفل جبلٍ ويخشى أن يسقط عليه في أي وقت،
وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن يُدرك مغبة الذنوب وخطرها عليه،
فيرى فيها هلاكه إذا لم يتغمده الله برحمة منه فيتوب عليه ويغفر له.

أما المنافق فوصفه برجل وقف الذباب على أنفه فحَرَّك يده تجاه وجهه يبعده عنه،
وفي هذا إشارة إلى استخفافه بما يقترفه من ذنوب وآثام،
وعدم استشعاره لأي خطر يهدده بسببها، فلا هو يتوب ولا هو يستغفر.

ثم أخبرنا عما من شأنه أن يُطمئن المؤمن ويحد من خوفه؛
فقال: “لله” توكيد باللام، “أَفْرَح” صيغة تفضيل تدل على شدة الفرح،
“بتوبةِ العبد” رجوعه عن معصيته، “مِن رَجلٍ نزل منزِلاً” أي أتى مكاناً،
“وبه مَهلَكة” أي: يُظنُّ أن فيه هلاكه،
وجاء في رواية أخرى “بِدَوِّيَّةٍ مَهْلَكة” أي أرض فَلاة قَفْر لا نبات فيها ولا ماء.

ثم قال: “ومعه راحِلَتَه” أي: دابته التي يركَبها، محمَّلة بزاده من الطعام والشراب،
فنام وقتاً يسيراً ثم استيقظ فإذا راحلته قد ذهبت بما عليها،
ومما زاد الأمر سوءاً اشتداد الحر والعطش عليه، فعجز عن مواصلة البحث عنها،
“قال” أي في نفسه، “أرجع إلى مكاني” أي الذي ضاعت فيه راحلته أثناء نومه؛ انتظاراً للموت.

فلما رجع نام مرة أخرى، ثم استيقظ فوجد راحلته أمامه،
فمن شدة فرحه لنجاته من الموت المحقق قال كما في الرواية الأخرى:
“اللَّهُمَّ أنت عبدِي وأنا ربُّك”، ثم يُبين صلى الله عليه وسلم الغرض الذي ضرب من أجله هذا المثل،
وهو أن الله يفرح بتوبة العبد كفرحة هذا الرجل، بل أشد.

تابع أيضًا: حديث عن الأخلاق وأهمية الأخلاق في الإسلام 

الحديث الرابع

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِ رضي الله عنه أَنَّ نبي اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً.

ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ.

فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِي فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ.

فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ”. قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ” [صحيح مسلم].

شرح الحديث

يختلف هذا الحديث عما سبقه من أحاديث عن التوبة في أن الرسول اعتمد فيه على الأسلوب القصصي،
الذي يكون له تأثيرٌ كبيرٌ في النفوس مع سهولته، فيخبر النبي أن رجلاً ممن كان في بني إسرائيل
أقدم على قتل تسع وتسعين نفساً، ثم أراد أن يتوب، فذهب إلى راهب يسأله أَلَهُ توبة؟ فأجابه أن لا، فقتله فأتم به المائة.

ثم ذهب إلى عالم يسأله ألَهُ توبة؟ فقال له أجل؛ فما من شيء يمنعك عنها،
ثم أمره أن يفارق قريته إلى قرية أخرى عيَّنها له، وألا يعود إلى قريته التي هو فيها أبداً،
فامتثل الرجل لأمره وخرج من ساعته قاصداً القرية الصالحة، ولكنّه لقي ربه قبل أن يصل إلى وجهته.

فإذا بملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون في أمره، كلٌ منهما يريد أن يقبضه،
فتقول ملائكة الرحمة أنها أحق به لأنه أقبل على ربه تائباً، بينما تقول ملائكة العذاب أنه ما عمل حسنةً قط.
فأرسل الله لهم ملكاً حكَّموه بينهم، فأمرهم أن يقيسوا المسافة بين القريتين؛
فإن كانت المسافة بينه وبين القرية الصالحة أقصر قبضته ملائكة الرحمة،
وإن كانت المسافة بينه وبين قرية السوء أقصر قبضته ملائكة العذاب.

فأوحى التواب الرحيم إلى القرية الصالحة فاقتربت منه، وأوحى إلى الثانية فابتعدت،
فلما قاسوا وجدوه قريباً إلى الأرض التي قصدها، فقبضته ملائكة الرحمة.
وفي هذا الحديث حث على عدم القنوط من رحمة الله، وأن يبادر العبد إلى التوبة مهما كانت ذنوبه.

أحاديث قدسية عن التوبة والاستغفار

يختلف الحديث القدسي عن الحديث النبوي في أنه ما كان مروياً من الرسول صلى الله عليه وسلم مضافاً إلى الله،
ويختلف عن القرآن في أن ألفاظ القرآن ومعانيه تكون من لدنِ الله ولا دخل للنبي فيها سوى أنه مُكلف بتبليغها،
أما الحديث القدسي فمعناه من الله، أما ألفاظه فمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وبخلاف ما ذكرناه من أحاديث نبوية عن التوبة والاستغفار أعلاه، فقد جادت كتب ومصنفات السنة الصحيحة
بـ أحاديث قدسية عن التوبة والاستغفار قليلةٌ في عددها، لكنها عظيمةٌ في قدرها؛
مليئةٌ بالفوائد والهدايات، نذكرها فيما يلي:

الحديث الأول

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنَّ عَبْدًا أصابَ ذَنْبًا -ورُبَّما قالَ أذْنَبَ ذَنْبًا- فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ -ورُبَّما قالَ: أصَبْتُ- فاغْفِرْ لِي، فقالَ رَبُّهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي.

ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أصابَ ذَنْبًا، أوْ أذْنَبَ ذَنْبًا، فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ -أوْ أصَبْتُ- آخَرَ، فاغْفِرْهُ؟ فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا، ورُبَّما قالَ: أصابَ ذَنْبًا، قالَ: قالَ: رَبِّ أصَبْتُ -أوْ قالَ أذْنَبْتُ- آخَرَ، فاغْفِرْهُ لِي، فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ” [رواه البخاري].

شرح الحديث

إن من تمام رحمة الله بعباده أنه يقبل التوبة وإن تكرر الذنب،
ولا يرد أحداً من عباده أتاه منيباً آسفاً على ما اقترفه من آثام في جنب الله تعالى،
وهذا مما يقره كثير مما تواتر من أحاديث عن التوبة والاستغفار.

وفي هذا يُحدِّث النبي بأن عبداً من أمته أو من غيرها أصاب ذنباً، فأقر به قائلاً:
أذنبت يا رب ذنباً فاغفره لي، فيقول الله سائلاً وهو أعلم: هل عرف عبدي أن ربه يغفر الذنوب ويجازي عليها؟
ثم يقول الله: “غفرت لعبدي” بسبب ما عرفه عني.

ثم يكرر هذا العبد فعلته ويذنب ذنباً ثانٍ وثالث، وفي كل مرة يُقبل على ربه معترفاً بذنبه يسأله المغفرة،
إلى أن قال الله في الثالثة: “غَفَرتُ لعبدي ثلاثاً” أي: في المرات الثلاث،
“فليعمل ما شاء” أي: ليفعل ما شاء طالما أنه في كل مرة يُذنب فيها يتوب ويستغفر.

قد يهمك أيضًا: آيات و أحاديث عن التعاون وفضله

الحديث الثاني

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قالَ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً” [رواه الترمذي].

شرح الحديث

أحاديث عن التوبة والاستغفار وبيان معنى التوبة وحكمها وشروطها

سمَّى الله نفسه تواباً غفوراً؛ فهو من يتوب على عباده ويغفر لهم ذنوبهم مهما بلغت،
ولكنه اشترط للتوبة أن يكون صاحبها موحداً له منزهاً له عن كل شريك ونِد،
فإن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يُشرك به.

ومما صحَّ من أحاديث عن التوبة هذا الحديث الذي يُخبر فيه النبي عن ربه تبارك وتعالى
أنه يقول لعباده من بني آدم: إنكم ما دمتم تدعونني، وترجون ما عندي من الثواب،
ولم تيأسوا قط من رحمتي، فإني أغفر لكم ذنوبكم وأمحوها كأن لم تكن،
هذا على الرغم من تقصيركم وخطئكم، ولا أهتم بهذه الذنوب أكانت من الصغائر أم الكبائر.

ثم يكرر النداء مخاطباً بني آدم جميعاً قائلاً: لو أنكم من كثرة ما اقترفتموه من ذنوب وآثام
ملأت ذنوبكم ما بين السماء والأرض وعمَّت نواحيها جميعاً، ثم جئتموني حينها سائلين التوبة والمغفرة،
فإني أغفرها جميعاً لكم غير مبالٍ بكثرتها ولا ماهيتها أو كنهها؛ فإني أغفر الذنوب جميعاً قليلها وكثيرها.

ثم يكرر سبحانه النداء ثالثاً لبني آدم قائلاً: لو أنكم أتيتم إليَّ بعد موتكم بملء الأرض من الآثام والذنوب؛
بشرط أن تكونوا حين توفيتكم على التوحيد لا تُشركون بي شيئاً؛ لأتيتكم بملء الأرض مغفرة ورحمة.

الحديث الثالث

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أنَّهُ قالَ: “يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.

يا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا.

يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ، فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ” [صحيح مسلم].

شرح الحديث

يروي النبي عن ربه أنه يقول: يا عبادي.. إني تقدست عن الظلم وتعاليت عليه فمنعته عن نفسي وجعلته علي محرماً،
وكذلك حكمت عليكم بحرمته، فإذا ما بلغكم هذا عني فلا يظلمنَّ بعضكم بعضاً، ولا ترضوا به أو تقرُّوا أحداً عليه.

يا عبادي.. كلكم على ضلال إلا مَن امتننتُ عليه فهديته، فلا أحد يملك أن يهدي نفسه ولا أن يهدي غيره إلا بإذني،
وكذلك الحال بالنسبة لمطعمكم وكسوتكم، إنما هما محضُ تفضّل مني، لا يملك أحد منكم من أمرهما شيئاً،
فاسألوني الهداية أهدكم، واطلبوا مني طعامكم وتذليل سبل الرزق أطعمكم، وسلوني أن أكسيكم أرزقكم ما يستر عوراتكم.

يا عبادي.. إني أعلم ما تقترفونه ليلاً ونهاراً من خطايا وذنوب، وأنا وحدي مَن بيده مغفرة جميع الذنوب،
فاستغفروني وتوبوا إليّ أغفرها لكم. يا عبادي.. إني غنيٌ عنكم، لا تنفعني طاعتكم، ولا يضرني عصيانكم.

يا عبادي.. لو أن الأولين والآخرين من بينكم وممن سبقوكم وممن يلحق بكم إلى يوم القيامة
إنساً وجناً كانوا جميعاً يتقونني أشد ما تكون التقوى فإن هذا لا يزيد شيئاً في مُلكي،
ولو أنكم جميعاً إنساً وجناً كنتم على النقيض من هذا لن يُنقص ذلك من ملكي شيئاً.

يا عبادي.. لو أنكم جميعاً، إنساً وجناً، وقفتم في مكان واحد تسألونني أجمعين،
فأعطيت كلاً منكم حاجته التي سألها، فإن عطائي هذا على عِظَمِهِ لا يُنقِص مما لديّ شيئاً
إلا مثلما تُنْقِص الإبرة من البحر إن غُمِسَت فيه ثم أُخرجَت منه.

يا عبادي.. إن ما أكتبه وأحصيه عليكم إنما هي أفعالكم وصنيعكم في الحياة الدنيا،
ثم أحاسبكم عليها يوم القيامة حساباً وافياً، فمن وجد خيراً فليحمدني على توفيقي إياه لفعله،
ومن وجد خلاف هذا فلا يلومَنَّ أحداً على ما حلّ به من سوء؛ فإنما هو ما اقترفته يداه.

الخاتمة

إن ما قرأتَه اليوم من أحاديث عن التوبة والاستغفار ربما يكون رسالةً لكَ مفادُها
أن أقبل على ربك وتب إليه تجده تواباً رحيماً، واغتنم كرمه ورحمته، ولا يغرَّنَّك حلمه وعفوه،
فبادر الآن بالإنابة إليه؛ فإن دنس المعاصي وقذرها لا يزيله إلا ماء التوبة،
ومهما بلغت ذنوبك فتب ولا تيأس؛ فإن ربك يقول:
{قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *