أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

أبرز أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

أثمرت رفقة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم إيمانًا راسخًا، وعزمًا لا يفتر، وقوة باطنة انعكست آثارها عليه فأكسبته قوةً ظاهرة، ولك في أعمال أبي بكر الصديق خير شاهدٍ؛ فقد كانت حياته مذ أسلم عامرةً بالدروس والعبر، وكان يقينه العميق وإيمانه القوي باعثًا له على العمل والسعي الحثيث في سبيل رفعة هذا الدين ونشره وتعزيز شوكته، فسخر حياته كلها لأجل هذا الهدف العظيم.

حياة الصديق قبل الإسلام

عاش أبو بكر الصديق رضي الله عنه 38 سنةً في مكة قبل الإسلام، كان فيها ذا خلق رفيع ومكانةً وهيبة بين سادة قريش وشرفائها، يألفهم ويألفوه ويوقروه ويعرفوا له قدره، وكان أعلمهم بأنساب وأخبار العرب، ذاع تعففه وتواضعه في خلقه ومطعمه وملبسه رغم اشتغاله بالتجارة وثرائه.

وعُرف بسخائه وكرمه، واشتهر بعطائه وبذله لكل ذي حاجة، فكان عونًا للفقراء، كافلًا للأيتام، مسارعًا إلى كل خير، عازفًا عن كل ما يشين من خلق أو فعل، فما عابه أحد أو استنقصه، لذا فإنه خير من ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “النَّاسُ مَعادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا” [صحيح البخاري].

إسلام أبي بكر الصديق

Advertisement

كان إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه منسجمًا مع فطرته السليمة متوافقًا معها، فإنه لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم باصطفاء الله له بالنبوة والرسالة، وكان صديقه المقرب ويعلم أمانته وصدقه، إذا به يشهد من فوره أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، دونما تردد أو تراخٍ، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته -أي بادر وسارع-، و لا تَردَدَ فيه”.

أبرز أعمال أبي بكر الصديق في العهد المكي

وهكذا كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه السبق إلى اعتناق الإسلام، فكان أول مَن أسلم من الرجال، وكذا كان أول مَن دعا إلى الله على بصيرة وهدى، وهذا إن دل فإنما يدل على أن إيمانه بدعوة التوحيد كان يقينيًا لا عاطفة فيه ولا محاباة، فكان من أهم أعمال أبي بكر الصديق في العهد المكي ما يلي:

إسلام عدد من كبار الصحابة

معلوم أن لوجهاء القوم أكبر الأثر في اجتذاب أفراد مناصرين للدعوة، وهكذا كان تأثير أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد كان في قومه ذا شأن علمي واجتماعي، فلاقت دعوته للإسلام قبولًا لدى صفوة من خيرة قريش، الذين أصبحوا من خيرة الصحابة فيما بعد بل وبشرهم النبي بالجنة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم جميعًا.

دعوة أهل بيته إلى الإسلام

لما كان الصديق داعيًا ربانيًا لا يطمح لشهرة أو منصب فإنه كان حريصًا أشد الحرص على إنقاذ أهله من ظلمات الشرك، وما كان ليدعو قومه لدين الله غافلًا عن دعوة أهل بيته الذين هم أقرب الناس إليه وأحوجهم لنصيحته، فدعا زوجته أم رومان إلى الإسلام، وأسلم من أبنائه عبد الله وأسماء رضي الله عنهما، وكذلك مولاه عامر بن فهيرة رضي الله عنه أسلم فأعتقه، في حين لم يستجب له ابنه الأكبر عبد الرحمن، فلم يُسلم إلا في عام الحديبية، أما أمنا عائشة رضي الله عنها  فولدت في الإسلام ونشأت عليه.

دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولعل من أبرز أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه في العهد المكي أنه كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرد عنه بعضًا من أذى المشركين، فعن عُروة بن الزُبَير قال: “سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرٍو عن أشَدِّ ما صَنَعَ المُشْرِكُونَ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بنَ أبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ في عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ به خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أبو بَكْرٍ حتَّى دَفَعَهُ عنْه، فَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ” [رواه البخاري].

إنفاقه المال لتحرير المستضعفين

آتت جهود النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ثمارها، وبدأ الناس يعتنقون الإسلام، ولكن أكثرهم كانوا من ضعفاء مكة، فتسلط عليهم زبانية قريش يذيقونهم أشد ألوان العذاب؛ ليصدوهم عن هذا الدين، فكان النبي يمر عليهم وهم يُعذبون يوصيهم بالصبر إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فإذا بالصديق الأتقى يستنقذهم ويعتقهم في سبيل الله.

فلم تقتصر أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه وجهوده في نصرة الإسلام على دعوة وجهاء قريش للإسلام فحسب؛ بل إنه سخر ماله كله -نحو أربعين ألف درهم- لتحرير رقاب إخوته في الإسلام، ومنهم: بلال بن رباح، والنهدية وابنتها، وأم عبيس، وزنيرة، وجارية بني المؤمل.

وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال أبو قحافة لابنه أبي بكر رضي الله عنهما: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالاً جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَتِ، إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ. قَالَ: فَيُتَحَدَّثُ مَا نَزَلَ هَؤُلاَءِ الآيَاتُ إِلاَّ فِيهِ، وَفِيمَا قَالَ أَبُوهُ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 17-21]”. [صحيح على شرط مسلم].

توظيف أهله في الهجرة

لم يكتفي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتسخير نفسه وماله لخدمة دين الله ورسوله، بل إنه وظّف أهله أيضًا من أجل إنجاح خطة هجرته مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ووزع على كل منهم مهمة خطيرة على النحو التالي:

  • عبد الله بن أبي بكر: كان دوره استخباراتي، فكان يتنقل بين مجالس قريش يسمع أخبارهم وينقلها ليلًا إلى أبيه والنبي في الغار.
  • أسماء وعائشة: كانتا تصنعان لهما الطعام، وتأخذه أسماء إليهما.
  • مولاه عامر بن فهيرة: كان يرعى غنم أبي بكر، فيمحوا بها آثار أقدام أسماء وعبد الله رضي الله عنهما.

أهم أعمال أبي بكر الصديق بعد الهجرة

Advertisement

يُذكر في كتب السير والتراجم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما تخلف عن غزوة من الغزوات قط، وأنه كان ثابتًا إلى جانب النبي يوم أحد مثلما كان إلى جانبه دومًا، وفي غزوة تبوك أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم رايته ولواءه الأعظم وكان أسودًا.

وما زالت يده سخية في سبيل الله أشد ما يكون السخاء، فها هو عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقص علينا جانبًا من إنفاقه فيقول: أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يومًا أن نتصدَّقَ، فوافقَ ذلِكَ مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بَكْرٍ إن سبقتُهُ يومًا، فَجِئْتُ بنصفِ مالي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ما أبقيتَ لأَهْلِكَ؟ قلتُ: مثلَهُ، قالَ: وأتى أبو بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ بِكُلِّ ما عندَهُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ؟ قالَ: أبقَيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ، قلتُ: لا أسابقُكَ إلى شيءٍ أبدًا” [صحيح أبي داود].

موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي

وهكذا ظل الصديق مصاحبًا لرسول الله يكاد لا يفارقه، إلى أن جاء يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اهتزت له أركان المدينة، وتصدعت له أفئدة الصحابة، كيف لا والحدث جلل، والمصاب أليم أشد الألم، ووقف المسلمون ما بين صامت ومستنكرلا يصدقون أن رسول الله مات حقًا.

وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف بين الناس مذهولًا يقول: “واللَّهِ ما مَاتَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أيْدِيَ رِجَالٍ وأَرْجُلَهُمْ”، وعلى النقيض كان أبو بكر الصديق ثابتًا، رابط الجأش، رغم أن قلبه يعتصر ألمًا على فراق صاحبه ورفيق دربه، فثبَّت الله به الأمة وجمع به كلمة المسلمين، فكان هذا من أهم أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

تقول عائشة رضي الله عنها: “جَاءَ أبو بَكْرٍ فَكَشَفَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أيُّها الحَالِفُ، علَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أبو بَكْرٍ وأَثْنَى عليه، وقَالَ: ألا مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّ مُحَمَّدًا قدْ مَاتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وقَالَ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، وقَالَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ” [صحيح البخاري].

أعمال أبي بكر الصديق بعد توليه الخلافة

بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لابد من قائد لدولة الإسلام الوليدة، وكان الصديق هو الأجدر والأحق بالخلافة؛ لما تقدم من خيريته وسبقه لكل فضيلة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يؤم الناس في مرضه دونًا عن باقي الصحابة، فتمت مبايعته البيعة العامة في اليوم التالي ليوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما يلي نشير إلى أبرز أعمال الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

أعمال أبي بكر الصديق بعد توليه الخلافة

تنظيم شؤون الدولة الإسلامية

تمثلت أول أعمال الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في بيان سياسته الداخلية في إدارة الدولة، محددًا مسؤوليته كحاكم وكيف ستكون علاقته بالمحكومين، وبدأ من فوره التنفيذ مستعينُا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأسند إلى أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة إدارة بيت مال المسلمين، وأوكل القضاء إلى الفاروق رضي الله عنه، وعهِد إلى زيد بن ثابت بمهمة الكتابة (وزارة البريد).

ومضى الصديق في بناء الدولة الإسلامية بهمة عالية، فأولى الشأن الداخلي اهتمامُا كبيرًا، وأشرف على القضاء بنفسه، وكان على تواصل دائم بالولاة، واهتم بشؤون رعاياه بتواضع لا مثيل له آمرًا إياهم بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ناصحًا لهم بكل ما فيه خير، محتكمًا في ذلك كله إلى المنهج القرآني والهدي النبوي.

الولايات

استعمل الصديق الولاة لإدارة البلدان التي دخلها الإسلام، ولم يعزل أيًا ممن استعملهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا اقتضت الضرورة تعيينه في موقع أكثر أهمية وبعد أن يرضى به، مثلما فعل مع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكانت لهم مسؤوليات عديدة، منها: إدارة شؤون الرعية، والقضاء، والإمامة، وجمع الصدقات، والجهاد، وتأمين الولاية وحمايتها، وتعليم الناس أمور الدين خاصًة في البلاد حديثة العهد بالإسلام، وهكذا ضمت الدولة الإسلامية في عهد الصديق عدة ولايات، هي:

  • المدينة: عاصمة الخلافة، وفيها الخليفة.
  • مكة: وواليها عتّاب بن أُسيد.
  • الطائف: وواليها عثمان بن أبي العاص الثقفي.
  • صنعاء: واليها المهاجر بن أبي أمية، أمَّرَه عليها أبو بكر بعد القضاء على فتنة الردة، وهو مَن فتحها.
  • حضرموت: وواليها زياد بن لبيد.
  • زبيد ورقع: وكان عليهما أبو موسى الأشعري.
  • خولان: واليها يعلى بن أبي أمية.
  • الجند: واليها معاذ بن جبل.
  • نجران: واليها جرير بن عبد الله البجليّ.
  • جرش: واليها عبد الله بن ثور.
  • البحرين: واليها العلاء بن الحضرمي.
  • العراق والشام: وولى عليهما بعد فتحهما أمراء الجند.
  • عمان: واليها حذيفة بن محصن.
  • اليمامة: واليها سليط بن قيس.

القضاء

لم تختلف أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه في شأن القضاء عما كان الحال عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحافظ على المنهج النبوي في القضاء وطبقه بنصه ومعناه، وكان يفصل في القضاء بنفسه مستعينًا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان القضاء حينها من صميم مسؤوليته كحاكم، وتمثلت المصادر التي احتكم عليها في القضاء بما يلي على الترتيب:

  • القرآن الكريم.
  • إذا لم يجد في القرآن نظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم عامة، وهديه في القضاء خاصة.
  • إن لم يجد في السنة فالإجماع والاستشارة.
  • الاجتهاد إذا لم يتوفر ما يحكم به من المصادر السابقة.

مميزات القضاء في عهد أبي بكر الصديق

تميز القضاء في عهد أبي بكر الصديق بما يلي:

  • ظل القضاء امتدادًا لنموذج القضاء في عهد النبي من حيث الاقتداء بمنهجه، وبساطة إجراءات الدعاوى، وقلة المنازعات.
  • أصبحت الأحكام التي قضى بها الصديق واجتهاداته مصدرًا لأحكام الشريعة وآراء المذاهب الفقهية على مر العصور.
  • كان القضاء أحد اختصاصات الخليفة ومَن عينهم من الولاة كلٌ في ولايته.
  • ساعدت خلافة أبي بكر الصديق في بزوغ مصادر قضائية جديدة؛ كالسابقة القضائية، والاجتهاد، والأخذ بالرأي بعد مشورة أهل العلم.
  • مراعاة آداب القضاء، والعدل بين المختصمين والمساواة بينهم، وكانت الأحكام تنفذ فور صدورها.

إنفاذ جيش أسامة بن زيد

أما فيما يخص الشأن الخارجي، فكان إنفاذ جيش أسامة بن زيد أول أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان هذا بعد ثلاثة أيام فقط من توليه الخلافة رغم ما تلا موت الرسول صلى الله عليه وسلم من ارتداد قبائل العرب وانكشاف وجوه الكثير من المنافقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جهز هذا الجيش للثأر لشهداء مؤتة، ولزعزعة هيبة الروم ومكانتهم في قلوب القبائل العربية.

وحدث أن أشار الصحابة على الصديق بعدم خروج الجيش في هذا الوقت؛ اعتراضًا على أسامة رضي الله عنه لحداثة سنه من جهة، وخوفًا من أن استغلال المرتدين غياب الجيش فينقضوا على المدينة من جهة أخرى، ولكن الصديق الذي اعتاد ألا يعصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا أصر على إتمام هذا الأمر مهما كانت الظروف، بل إنه خرج بنفسه يشيع الجيش ماشيًا على قدميه وأسامة راكبٌ؛ إمعانًا منه في بث الثقة في نفس أسامة وجيشه.

والحق أن إنفاذ الجيش في هذا الوقت العصيب بالتحديد كان من أهم أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ حمل رسالة ضمنية للروم وللعرب كافة وللمرتدين خاصة مفادها أن المسلمين ما زالوا أقوياء لا يضرهم مَن خذلهم، فبث هذا بعض الخوف في نفوسهم، وكان رادعًا لهم عن كثير مما كانوا يخططون له، فوأد ثورة تمردهم في مهدها.

حروب الردة

ما إن ذاع خبر موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وانقلبت أكثر القبائل العربية على أعقابهم، ونقضوا عهدهم، فارتدوا عن دين الإسلام، ولم يثبت على الدين في جزيرة العرب كلها إلا ثلاث مدن وقرية واحدة، أما المدن فهي: المدينة، ومكة، والطائف، وأما القرية فهي: قرية جواثى الصغيرة في البحرين.

ولتتبين حجم فتنة الردة وما شكلته من خطر داهم لا على الدولة الإسلامية فحسب بل على دين الإسلام ككل، انظر إلى وصف عائشة رضي الله عنها لهذه الفترة العصيبة، تقول: “لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم نجم النفاق، وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية”.

تصدي الصديق لفتنة الردة

لو لم يقيض الله أبا بكر الصديق للأمة المحمدية في هذا التوقيت لأحدثت هذه الفتنة آثارًا وخيمة، فقد حفظ الله به الدين، ودحض به المرتدين والمنافقين، وفي هذا الصدد يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “والله لقد حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحداث ما إن لم يَمُنّ الله على المؤمنين بأبي بكر الصديق رضي الله عنه لخشيت ألا يعبد الله في الأرض بعد ذلك”.

ورغم أنهم أشاروا عليها بتحييد القضية كحل مؤقت، إلا أن موقفه كان صارمًا لا هوادة فيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن عمر ابن الخطاب قال للصديق: “كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَهَا فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فَوَاللَّهِ ما هو إلَّا أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ” [صحيح البخاري].

ولهذا أجمع العلماء على أن موقفه من المرتدين وقتاله إياهم والقضاء عليهم بلا مهادنة كان أهم أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه قاطبةً، وأن الخطوات العملية التي اتخذها كانت خير دليل على حكمته وحنكته كقائد عظيم، وهي كالتالي:

  • أمر أهل المدينة بالمكث في المسجد والمبيت فيه تحسبًا لأي هجوم.
  • قام بتنظيم الحراسة حول المدينة بالتناوب بين علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، كأمراء على الحرس.
  • أرسل إلى القبائل التي ظلت على الإسلام آمرًا إياهم بالنفير لجهاد المرتدين، فاستجابوا من فورهم حتى ازدحمت المدينة بهم.
  • بعث بالكتب إلى الولاة المسلمين في الأقاليم البعيدة يحثهم على قتال المرتدين.
  • بدأ بقتال بني عبس وذبيان لأنهم كانوا الأخطر لقربهم من المدينة.

إرسال الجيوش المنظمة لقتال المرتدين

ما إن عاد جيش أسامة بعد أربعين يومًا -وقيل شهرين- إلا وبدأ أبو بكر الصديق في تنظيم الجيوش لقتال المرتدين ووأد فتنتهم، فقسم جيش المسلمين على أحد عشر لواءً، على كلٍ منها أمير، وأمر كلًا منهم بأن يستنفر كل مَن يمر بهم من المسلمين لينضموا إليهم، وكان تقسيم الجيوش كالتالي:

  1. جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكانت وجهته إلى نجد لقتال متنبئ بني أسد، ثم اتجه إلى البطاح لقتال بني تميم.
  2. جيش عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، توجه إلى قبيلة بني حنيفة في اليمامة لمحاربة مسيلمة الكذَّاب.
  3. جيش شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه، توجه أيضًا إلى اليمامة لمساندة جيش عكرمة.
  4. جيش طُرَيْفَة بن حاجز السُّلَمِيِّ رضي الله عنه، توجه إلى هوازن وبني سليم.
  5. جيش عمرو بن العاص رضي الله عنه، لقتال قبائل وديعة والحارث وقضاعة شمالًا.
  6. جيش خالد بن سعيد رضي الله عنه، لقتال القبائل المرتدة على مشارف الشام.
  7. جيش العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه، لقتال قبائل ربيعة ومرتدي عبد القيس في منطقة البحرين.
  8. جيش حذيفة بن محصن رضي الله عنه، وكانت وجهته إلى عمان.
  9. جيش عرفجة بن هرثمة رضي الله عنه لقتال مرتدي أهل مهرة.
  10. جيش المهاجر بن أبي أمية رضي الله عنه، خرج لقتال أتباع الأسود العنسي في صنعاء، وبعدها اتجه صوب حضرموت.
  11. جيش سويد بن مقرن رضي الله عنه، وكانت وجهته إلى تهامة باليمن.

كللت جهود تسع جيوش منها بالنجاح، وحققوا نصرًا مؤزرًا، في حين مُني جيشا عكرمة وشرحبيل رضي الله عنهما بالهزيمة أمام مسيلمة الكذاب، الأمر الذي اقتضى توجه خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمامة للقضاء على متنبئ بني حنيفة، فوقعت موقعة اليمامة الشهيرة وقتل فيها مسيلمة، واستغرقت سلسلة حروب المرتدين تلك عامًا كاملُا، ولم تقم لهم قائمة منذ ذلك الحين، وبسط المسلمون نفوذهم مرةً أخرى على الجزيرة العربية، وكان هذا تمهيدًا لاستئناف الفتوح الإسلامية في العراق والشام.

جمع القرآن

أسفرت حروب الردة عن استشهاد عدد كبير من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة معركة اليمامة؛ فقد كانت موقعة طاحنة مات فيها نحو سبعين أو أكثر من القراء، وكان هذا عددًا ضخمًا حينئذ، ولذا اقترح الفاروق على الصديق رضي الله عنهما جمع القرآن؛ خوفًا من ضياعه أو تحريفه بموت حفاظه، فأقره على ذلك، فكان من أهم أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن جمع القرآن بين لوحين بعدما كان مُفرقًا.

رُوي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه -وكان ممن يكتبون الوحي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم-، قال: “أَرْسَلَ إِلِيَّ أَبُو بكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ، فقالَ أبو بكرٍ: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامةِ بالناس، وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن، فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمعَ القرآن”. قال أبو بكر: “قلتُ لعمرَ: كيفَ أفعلُ شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟”.

فقال عمرُ: هو واللهِ خيرٌ. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم، فقال أبو بكر: “إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ ولا نتهمك، كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن”.

قلتُ: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر. فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسُبِ وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحدٍ غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128- 129]، إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر” [صحيح البخاري].

فتوحات العراق في عهد أبي بكر الصديق

وافق انتهاء حروب الردة توتر العلاقة بين دولة فارس والقبائل العربية في العراق، وبخاصة قبيلة بكر بن وائل التي كان المثنى بن حارثة الشيباني منتميًا لها، فعرض على أبي بكر الصديق أن يأذن له ولقومه بقتال الفرس، وكان خلال مطاردة المرتدين قد توغل داخل جنوب العراق، فتمكن المثنى من حشد جيش من قبيلته بعد أن أمَّرَه الصديق عليهم، وأغار به على القبائل العربية الأخرى الموالية للفرس أسفل العراق، فلم يجد مقاومة جدية منهم وكان النصر حليفه في أكثر من معركة.

وهنا أدرك الصديق مدى تدهور وضع دولة فارس، وأن الفرصة باتت سانحة لمهاجمتهم وضم أراضي جديدة إلى دولة الإسلام، فكان من أبرز أعمال أبي بكر الصديق كخليفة وقائد عسكري أن وضع خطة ذكية تمكنه من فتح البلدان كلها في منطقة العراق، بداءة من الأبلة جنوبًا وانتهاءً إلى المصيح على الحدود مع الشام شمالًا، وبهذا تصبح منطقة غرب الفرات تحت سيطرة المسلمين بشكل كامل، ويعسكر الجيش على بعد خمسين كيلو مترًا فقط من (المدائن) هدفه الأكبر.

خطة الصديق لفتح العراق

اقتضى الأمر لتنفيذ خطة الصديق أن يرسل جيشين، ينطلق أحدهما من الجنوب عابرًا شبكة الأنهار متجهًا نحو (المدائن)، فأرسل كتابًا إلى خالد بن الوليد الذي كان معسكرًا بجيشه في اليمامة يطلعه على خطته لغزو فارس آمرًا إياه بالبدء بـ (الأبلة)، أما الجيش الآخر فكان مكلفًا بالبدء من (المصيخ) شمالًا إلى أن يلتقي الجيشان معًا، وحينئذ تؤول القيادة إلى من يصل أولًا إلى الحيرة.

كان الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وأمده الصديق فيما بعد بعبد بن عوف الحميري، أما خالد فانضم إليه القعقاع بن عمرو التميمي، والمثنى بن حارثة الشيباني بجيشه البالغ ثمانية آلاف مقاتل، وبهذا بلغ عدد جيش خالد بن الوليد حين وصل العراق نحو ثمانية عشر ألف مقاتل، خاض بهم عدة معارك عظيمة كان النصر حليفه فيها، وهي:

  • معركة ذات السلاسل: وسيطر من خلالها على كاظمة والخريبة.
  • معركة المذار: وتمكن من فتحها بعد أن فتح كلًا من: بزندود في إقليم كسكر، ودرتي وهرمزجرد في طريقه إلى المذار.
  • معركة الولجة.
  • معركة أليس أو نهر الدم.
  • فتح أمغيشيا بدون قتال.
  • فتح الحيرة بعد حصارها واستسلام أهلها بعد اقتحام المسلمين لها، وأقام فيها خالد وجعلها مقرًا لجيشه.
  • فتح الأنبار ومعركة ذات العيون.
  • فتح حصن عين التمر.
  • فتح دومة الجندل التي فشل عياض بن غنم من اقتحامها، مما أخره في الزحف وعرقل خطة الصديق.
  • معركة الحصيد (وادٍ بين الشام والكوفة).
  • معركة الخنافس (قرب الأنبار).
  • فتح المصيخ.
  • فتح الثنى والزميل.
  • معركة الفراض، وكانت آخر معارك خالد بن الوليد في العراق، فتوجه منها إلى الشام؛ لنصرة جيش المسلمين، وترك القيادة في العراق للمثنى بأمر من الصديق.

فتوحات الشام في عهد أبي بكر الصديق

بدأت سياسة التوسع في منطقة الشام منذ العهد النبوي، وشغل هذا الأمر عقل الصديق ونال اهتمامًا كبيرًا منه، وخاصةً بعدما حقق جيش المسلمين انتصاراته المتوالية في العراق، فشرع في السنة الثانية عشرة من الهجرة في تعبئة الجيوش واستنهاض المسلمين وحثهم على النفير إلى بلاد الشام لفتحها، ولكن كان لهيبة الدولة البيزنطية في نفوس العرب أثرها في تخوف عامة المسلمين من غزوهم.

إلى أن تحمس خالد بن سعيد بن العاص لفكرة الغزو، فكان جيشه أول جيش يعقد أبو بكر لواءه لفتح الشام، ومع هذا ظل حماس المسلمين تجاه الغزو ضعيفًا، فسعى أبو بكر الصديق لاستنفار المسلمين في الحجاز ونجد واليمن مرغبًا إياهم بالغنائم العظيمة التي ستكون في انتظارهم، وقد لمس بحكمته أن أغلب العرب الذين أسلموا بعد الردة لما يتغلغل الإيمان في قلوبهم بعد، فانتهج أسلوب الترغيب تحفيزًا لهم.

خطة أبي بكر الصديق لفتوحات الشام

تمثل التجهيزات والاستعدادات لفتح الشام أحد أبرز أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتعكس مدى حنكته ونظرته الثاقبة، فكانت خطته تقضي بإطلاق خمسة جيوش متفرقة، لكل منها وجهة مختلفة، على النحو التالي:

الجيش الأول

كان أول الجيوش هو الجيش الذي عقد أبو بكر لواءه لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، وحدد وجهته إلى دمشق، ويتكون من ثلاثة إلى أربعة آلاف محارب، وحدث أن راجع عمر بن الخطاب أبا بكر في شأن تولية القيادة لخالد، فنزل الصديق على رأيه وجعل يزيد بن أبي سفيان قائدًا للجيش بدلًا عنه، وعين خالدًا قائدًا لجيش احتياطي، وأمره بالتمركز في تيماء.

ثم رأى أبو بكر أن يمد الجيش بربيعة بن الأسود بن عامر، فأصبح عدد الجيش سبعة آلاف، ورسم له خط سير محدد هو: وادي القرى، ثم تبوك، ثم الجابية، ثم دمشق، وأوصاه بتعليمات واضحة بشأن تعبئة الجيش وتمثل المنهج العام لقادة الفتوح الإسلامية.

الجيش الثاني

أمر الصديق شرحبيل بن حسنة على هذا الجيش الذي يتألف من ثلاثة إلى أربعة آلاف مقاتل أيضًا، وحدد له وجهته وهي: بصرى عاصمة حوران، ورسم له خط سير محدد وهو: معان، ثم الكرك، ثم مأدبًا، ثم البلقاء، ثم بصرى، وزوده بمثل ما زود به الجيش الأول من وصايا وتعليمات، لكنه زاد عليه: “أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تُقتل، وبعيادة المرضى، وبحضور الجنائز، وذكر الله كثيرًا على كل حال”. ولم يجد هذا الجيش مقاومة خلال طريقه حتى وصل إلى وجهته، فحاصر بصرى حصارًا شديدًا إلى أن جاء خالد بن الوليد من الحيرة وفتحها.

الجيش الثالث

عين الصديق أبا عبيدة بن الجراح قائدًا لهذا الجيش، وأمره بالتوجه إلى حمص سالكًا طريق: وادي القرى ثم الحجر، ثم ذات المنار، ثم زيزاء، ثم مآب، ثم الجابية، ومنها إلى حمص، وأوصاه بما أوصى به الجيشين السالفين، وأضاف مطمئنًا: “فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم أو ضعفهم، وليس بكم والحمد لله قلة ولا ذلة، فلا أعرفن من جبنتم عنهم ولا ما خفتم منهم، فبث خيلك في القرى والسواد، ولا تحاصر مدينة من مدنهم حتى يأتيك أمري”.

الجيش الرابع

جعل الصديق عليه عمرو بن العاص قائدُا، وكانت وجهته أرض فلسطين، ويتكون من ستة إلى سبعة آلاف مقاتل، وأمره أن يزحف إليها عبر طريق ساحل البحر الأحمر إلى العقبة، ثم وادي القرى، ثم البحر الميت، انتهاءً إلى بيت المقدس، ثم مده بتوجيهاته الأخلاقية والعسكرية والسياسية التي يحتاج كل رجل دولة أن يقتدي بها، فقال:

“لا تسلك الطريق الذي سار عليه يزيد وشرحبيل بن حسنة، بل طريق إيلياء (اسم بيت المقدس) حتى تصل إلى فلسطين، ابعث العيون ليأتوك بالأخبار عن أبي عبيدة؛ لمساعدته إذا كان يريد ذلك، وإلا فأنت لقتال فلسطين، قدم الفرسان لأبي عبيدة، والجيش إثر الجيش، إذا طلب منك ذلك، أكرم من معك ولا تتعال عليهم وانصحهم، شاور أولي الأمر، اعمل على حراسة القوات وحمايتها، أوصيك بالمعاملة الحسنة لمن معك”.

الجيش الخامس

وكان عكرمة بن أبي جهل قائدًا عليه، واستبقاه الصديق في المدينة كجيش احتياطي، وكان قوامه ستة آلاف مقاتل تقريبًا. وانطلقت الجيوش الأخرى كل في طريقه المرسوم له، فالتقى المسلمون مع البيزنطيين في عدة معارك كانت الغلبة فيها للمسلمين، إلى أن أخطأ خالد بن سعيد خطأً جسيمًا بسبب تسرعه أدى إلى تلقي المسلمين هزيمة أليمة في موقعة مرج الصفر، وكان نتيجة هذا أن اضطرب الصف الإسلامي، واستعاد البيزنطيون ثقتهم مرة أخرى، فأعادوا تشكيل خططهم وفقًا للوضع الجديد.

استدعاء خالد بن الوليد إلى جبهة الشام

وفي ظل هذا الوضع الراهن، كان لابد من قائد عام لجيوش الإسلام في الشام يتوحدوا تحت مظلته، لذا أرسل الصديق إلى خالد الوليد بعد أن استقر الأمر في العراق يأمره بالانطلاق إلى الشام لتولي قيادة الجيوش في هذه الجبهة، موضحًا له طبيعة المكان جغرافيًا، والموارد المتاحة، وما آلت إليه الأمور هناك، لكنه لم يقيده بطريق يسلكه أو أسلوب محدد للقتال.

ونص الكتاب كالتالي: “بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد، سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلِّي على نبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أمَّا بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فدع العراق، وخلِّف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من اليمامة وصحبوك في الطريق، وقَدِموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة, والسلام عليك”.

وفي روايةٍ أخرى: “إني قد ولَّيتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم، وأن تُسارع إلى مرضاة الله عزَّ وجلَّ وقتال أعداء الله، وكن ممَّن يُجاهد في الله حقَّ جهاده”. وبالفعل سمع خالد بن الوليد للخليفة وأطاع، وانتقل من فوره إلى الشام، وحقق الفتوحات التالية التي يسطرها التاريخ ضمن أهم أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

  • فتح تدمر بعد أن حاصرها المسلمون إلى أن استسلم أهلها.
  • فتح القريتين بالسيف، وحوارين بطلب أهلها الصلح.
  • فتح بصرى بعد محاصرتها حصارًا شديدًا إلى أن استسلم أهلها.
  • معركة أجنادين.
  • فتح مرج الصفَّر بعد قتال شديد قتل فيه عدد كبير من البيزنطيين.

ووفقًا للمؤرخين، كان فتح الصفر آخر الفتوحات في جبهة الشام في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه لما وصل الجيش إلى أبواب دمشق بعد فراغهم من مرج الصفر أتاهم نعي أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

استخلاف عمر بن الخطاب في حياته

نأتي الآن للحديث عن أحد أبرز أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه وآخرها كذلك، والذي يبين فراسته، وحكمته، ونظرته الثاقبة المستبصرة، ألا وهو اختياره لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ليخلفه من بعده، وتتمثل أهمية هذا الحدث في أنه جنب المسلمين فتنة الانقسام والاختلاف، فضمن لهم انتقالًا سلميًا للسلطة بدون خلاف يُذكر.

إجراءات استخلاف عمر بن الخطاب

من أبرز أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

لما مرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأدرك أنه مرض الموت، أخذ على عاتقه مهمة تسليم السلطة لمن هو أهلٌ لها، وأجدر بالقيام بحقها، فأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيلة، لهذا اتخذ عدة إجراءات تشف عن أمانته وتقواه ومدى حرصه على الأمة المحمدية، وهي كالتالي:

1- استشارة كبار الصحابة

أول ما ابتدأ به الصديق هو رد البيعة إلى المسلمين، وتخييرهم فيمن يخلفه من بعده، فجمعهم وخطب فيهم قائلًا: “إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي”

فلما تشاور الصحابة لم يتفقوا على أحد بعينه، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: “رأيُنا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه.

ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك. ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك؛ يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يُسِرُّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه”

وهكذا لم يعترض على أحد من الصحابة إلا طلحة بن عبيد الله؛ تخوفًا من شدته، فقال لأبي بكر: “ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبا الله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خيرَ أهلك”.

2- أخبر عمر بعزمه على استخلافه

لما استقر أبو بكر الصديق رضي الله عنه على اختياره لعمر بعد أخذه بمبدأ الشورى، دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبره بما اعتزم عليه، فرفض عمر لولا أن تهدده الصديق بالسيف، فما كان أمامه إلا القبول.

3- كتابة العهد لعمر بالخلافة

تلا ذلك أن أمر أبو بكر الصديق بكتابة العهد لعمر بالخلافة، على أن يقرأه عثمان بن عفان على المسلمين في المدينة وأن يُقرأ أيضًا في الأمصار الإسلامية، وكان نصه: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب.

إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدَّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: {وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].

4- التوجه إلى الله بالدعاء

لما كانت أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه كلها اقتداءًا بهدي النبي وفعله، كان متخوفًا أن يكون قراره خاطئًا، فرفع يديه ولهج لسانه بدعاء يكشف كوامن نفسه، فقال: “اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك”.

5- مبايعة عمر بالخلافة

ولما سمع الناس العهد، وارتضوا بعمر خليفة عليهم، أقبلوا عليه يبايعونه قبل موت أبي بكر الصديق، وهكذا تم انتقال السلطة إلى عمر بعد وفاة أبي بكر الصديق بسلاسة متناهية، فباشر أعماله بصفته ولي أمر المسلمين وحاكمهم فورًا منذ يوم الوفاة

ومما يؤكد على أن استخلاف عمر كان من أجلِّ أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: “أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وأبو بكر حين استخلف عمر. قال: كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن”.

وختامًا فإن أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه مذ أسلم تعكس قوة إيمانه بهذا الدين، وتغلغل عقيدة التوحيد في قلبه، ومدى استجابته لله والرسول صلى الله عليه وسلم، فضرب أعظم مثال للمؤمن الذي لا تهنأ نفسه ولا تقر إلا بتحقيق مراد الله منه، فما كانت انطلاقة أبي بكر الصديق في الدعوة لدين الله والبذل له عاطفيةً مؤقتةً، بل استمر عزمه متقدًا بلا فتور أو ضعف إلى أن فارقت روحه جسده ولقي ربه.

Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *