أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

أشهر أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخطبه ووصاياه

نقلت لنا كتب التراث والتاريخ كثيرًا من كلمات السلف الصالح ومقولاتهم الخالدة بما تحمله من معانٍ عميقة، ومن بينها نجد ما أُثر من أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخطبه ووصاياه ساطعًا كالدر المنثور، كيف لا وهو التلميذ الأول لمن أوتي جوامع الكلم! فقد اشتهر الصديق قبلًا بفصاحته، ثم أنه بعد إسلامه استقى من النبي صلى الله عليه وسلم حسن البيان، فازداد بلاغة على بلاغة، فكان لكلماته أثر قوي في نفس من يسمعها أو يقرأها، فهلم بنا نقتطف من بحور الأدب بعضًا من كلمِه الطيب.

فصاحة أبي بكر الصديق

قبل إسلامه كان الصديق عالمًا خبيرًا بعلم الأنساب لا يجاريه فيه أحد، أما بعد أن دخل الإسلام قلبه فقد اشتهر بملكته اللغوية القوية وحسن بيانه، فغدا أفصح الصحابة حتى قيل أنه كان أفصح الناس وأخطبهم، ولا عجب في ذلك؛ إذ كان أقربهم لرسول الله، وأكثرهم فهمًا لكتاب الله.

وكان الصديق كثيرًا ما يخطب في الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المواسم وغيرها في إطار الدعوة إلى الله، وكان يلتقي الوفود معه ويخاطبهم، لا يفعل ذلك تجاهلًا لرسول الله أو تقدمًا بين يديه، وإنما معينًا له على تبليغ الناس الحق ممهدًا لكلامه، ثم لما تولى الخلافة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يخطب في المسلمين، فنقل لنا المؤرخون عددًا من أقوال وحكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه نستعرض فيض منها السطور التالية.

أشهر أقوال أبي بكر الصديق

من الملاحظ أنه نُسب إلى الصديق رضي الله عنه كثير من الأقوال زعموا أنه قائلها، ولكن بالبحث في كتب التراث والتاريخ لا تجد لها أثرًا، لهذا فإننا اليوم بصدد ذكر أشهر أقوال أبي بكر الصديق التي صحت نسبتها إليه، ومنها:

  • ضَربوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّةً حتَّى غُشِيَ عليهِ، فقامَ أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنهُ فجعل يُنادِي: “وَيلَكُم، أَتقتلُونَ رَجلًا أن يقولَ ربِّيَ اللهُ” [صحيح].
  • “إن المسلم ليؤجر في كل شيء حتى في النكبة، وانقطاع شسعه، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها، فيفزع لها فيجدها في ضبنه”. [أخرج أحمد وهناد في الزهد].
  • “ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أهْلِ بَيْتِهِ”. [صحيح البخاري].
  • “لا يحقرن أحد أحداً من المسلمين”، وفي رواية: “لا تحقرن أحداً من المسلمين؛ فإن صغير المسلمين عند الله كبير”. [رواه أبو عبد الرحمن السلمي والديلمي في مسند الفردوس].
  • “إذا عمل قومٌ بالمعاصي بين ظهراني قومٍ هم أعزُّ منهم، فلم يغيِّروه عليهم، أنزل الله عليهم بلاءً، ثم لم ينزعه منهم”. [البيهقيُّ في شعب الإيمان].
  • “عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت أبا بكرٍ رضي الله عنه آخذًا بلسانه يقول: “هذا أوردني الموارد” [الزهد لأحمد بن حنبل].
  • “بلغنا أنَّه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أهل العفو؟ فيكافئهم الله تعالى بما كان من عفوهم عن الناس”. [مسند الصديق لأبي بكر المروزي].
  • “أطوع الناس لله أشدُّهم بغضًا لمعصيته”. [جمهرة خطب العرب].
  • “طوبى لمن مات في النانات، قيل: وما النانات؟ قال: جدة الإسلام (أي بدايته).
  • “يا معشر المسلمين، استحيوا من الله عز وجل، فوالذي نفسي بيده، إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياءً من ربي عز وجل”. [رواه ابن المبارك].
  • “كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ، والمَوْتُ أدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ” [صحيح البخاري].
  • “أصدق الصِّدق الأمَانَة وأكذب الكذب الخيانة” [روى البيهقي نحوه في السنن الكبرى].

مقولات أبي بكر الصديق عن الكذب

عن قيس بن أبي حازم بإسناد صحيح قال: “قامَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه، فحَمِدَ اللهَ عزَّ وجلَّ، وأَثنى عليهِ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكُم تَقرَؤُون هذه الآيةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] إلى آخِرِ الآيةِ، وإنَّكُم تَضَعونَها على غَيرِ مَوضِعِها، وإنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا المُنكَرَ ولمْ يُغَيِّروه، أَوشَكَ اللهُ أنْ يَعُمَّهُم بعِقابِه. قال: وسمِعْتُ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنه يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُم والكَذِبَ؛ فإنَّ الكَذِبَ مُجانِبٌ للإيمانِ” [مسند أحمد].

وفي بيان تورعه عن الكذب على الله والقول عنه بغير علم روى البيهقي في شعب الإيمان: سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، فقال: “أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لاَ أَعْلَمُ”.

أقوال أبي بكر الصديق

وفي المصنف لابن أبي شيبة عن الشعبي قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “رأيت في الكلالة رأيًا، فإن يك صوابا فمن عند الله، وإن يك خطأ فمن قبلي والشيطان. الكلالة ما عدا الولد والوالد”.

أقوال وحكم أبي بكر الصديق في التواضع

ذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه (التبصرة) أنه: “لما استُخلف أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أصبح غاديًا إلى السُّوق، وكان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة، فلمَّا بُويَع قالت جارية مِن الحي: الآن لا يحلب لنا. فقال: بلى لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو ألَّا يغيِّرني ما دخلت فيه”. ومن أقوال أبي بكر الصديق في التواضع أيضًا: عن أبي عمر الجوني قال: كان أبو بكر يقول: “وددت أنِّي شعرة في جنب عبد مؤمن” [رواه أحمد في الزهد].

خطب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

تعد خطب أبي بكر الصديق من أجود الخطب الإسلامية بشكل عام؛ حيث تميزت باشتمالها على معانٍ رقيقة شريفة بأسلوب رصين، وعبارات محكمة، وتراكيب فخمة، وألفاظ سهلة سلسة بعيدة أبعد ما يكون عن التنافر، بلا تكلف أو تشدق، وفيما يلي نذكر أشهر أقوال أبي بكر الصديق التي قالها في خطبه المأثورة.

خطبة الصديق يوم وفاة النبي

لا يمكننا ونحن بصدد الحديث عن أشهر أقوال أبي بكر الصديق أن نغفل عن كلمته الخالدة التي قالها يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَاتَ وأَبُو بَكْرٍ بالسُّنْحِ، -قَالَ إسْمَاعِيلُ: يَعْنِي بالعَالِيَةِ- فَقَامَ عُمَرُ يقولُ: واللَّهِ ما مَاتَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَتْ: وقَالَ عُمَرُ: واللَّهِ ما كانَ يَقَعُ في نَفْسِي إلَّا ذَاكَ، ولَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أيْدِيَ رِجَالٍ وأَرْجُلَهُمْ.

فَجَاءَ أبو بَكْرٍ فَكَشَفَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أيُّها الحَالِفُ، علَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أبو بَكْرٍ وأَثْنَى عليه، وقَالَ: ألا مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّ مُحَمَّدًا قدْ مَاتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وقَالَ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، وقَالَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ. [صحيح البخاري].

خطبة الصديق في سقيفة بني ساعدة

اجتمع الأنصار عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة يتناقشون فيمن يخلف رسول الله، فلحق بهم المهاجرون على رأسهم أبي بكر الصديق، يروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الواقعة مشيدًا بفصاحة أبي بكر وحكمته، فيقول: “…فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك.

فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم –معشر المهاجرين- رهط وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم –وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر– وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه.

فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم –فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا.

فلم أكره مما قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكم وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار” [صحيح البخاري].

خطبة توليه الخلافة

بعد أن بايع الناس أبا بكر الصديق البيعة العامة، وقف يخطب فيهم خطبته العصماء التي هي بمكانة إقرار منه بمبدأ العدل والمساومة بين الرعية، وتعهد بمراعاة حقوق الضعفاء، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: “أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.

الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ،لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”. [إسناده صحيح].

وفي رواية أخرى قال: “أيها الناس قد وليت أمركم ولست بخيركم، ولكن قد نزل القرآن وسنَّ النبي صلى الله عليه وسلم السنن فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني”.

خطبة أبي بكر الصديق في تحفيز الناس لفتح الشام

كان للصديق رضي الله عنه سياسة توسعية هي امتداد لسياسة رسول الله، فلما انتهت فتنة الردة أراد تعبئة الناس وحشدهم لفتح الشام، فوجد تخاذلًا منهم وعدم إقبال، فوقف يخطب فيهم يشحذ هممهم، فبدأ بحمد الله والثناء عليه، وصلى على رسوله، وقال: “ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله.

عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ؛ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له؛ ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، كما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي التجارة التي دل الله عليها، ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة”. [تاريخ الطبري].

خطبة له في الوعظ

أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه

اشتهرت مقولة : “لا خير فيمن يغلب جهله حلمه” بين الناس وذاع صيتها كأحد أقوال أبي بكر الصديق، والحق أنها مقتطعة من إحدى خطبه، فقد ذكر ابن كثير أن الصديق خطب في المسلمين يومًا فقال: “أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟، فمن استطاع أن ينقضى الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله.

إن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم: ‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19]، أين من تعرفون من إخوانكم‏!‏ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وحلوا فيه بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحففوها بالحوائط‏!‏ قد صاروا تحت الصخر والآثار.

هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، وانتضحوا بشفائه وبيانه، إن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال‏:‏ ‏{‏كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}‏ [الأنبياء: 90]، لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم‏” [إسناده جيد].

أشهر أقوال أبي بكر الصديق وقت الردة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَهَا فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فَوَاللَّهِ ما هو إلَّا أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ”. [صحيح البخاري].

فهذه واحدة من أشهر أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويظهر لنا من خلالها قوته وثباته على الحق، ورفضه أي تهاون في شأن شرائع الإسلام، فوفقه الله بهذا إلى إثبات قوة الدولة الإسلامية لكل أعدائها المتربصين بها، الذين توهموا أن الإسلام مات ودفن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فواجههم الصديق بكل حزم لا يخشى في الله لومة لائم، فأيده الله بنصره وكتب له الغلبة عليهم.

خطبته في الناس حين أشاروا عليه بترك الجهاد

ذكر الإمام ابن كثير في كتابه البداية والنهاية أنه لما حدثت الردة قام أبو بكر الصديق في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه.

والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلهم دينًا في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب، فختمهم الله بمحمد وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم وبغى هلكتهم، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .

إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم ولم يكونوا في دينهم، وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالًا فهداه، وعائلًا فأغناه، {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103] .

والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدًا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55].

وصايا أبي بكر الصديق رضي الله عنه

يُضاف إلى أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه الوصايا التي اشتهرت عنه ونقلها السلف والمؤرخون في كتبهم، والملاحظ أن بعضها يتشابه في لفظه ومعناه مع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا بغريب؛ فقد كان التقارب بينهما شديدًا كما هو معلوم، ومن أشهر وصايا الصديق ما يلي:

وصيته لأسامة بن زيد

كان خروج أسامة بن زيد رضي الله عنه إلى الغزو بعد أيام قلائل من تولي الصديق الخلافة، ومعلوم ما حدث من اعتراض بعض الصحابة عليه كقائد للجيش؛ لصغر سنه في هذا الوقت وقلة خبرته، فكان رد الصديق رضي الله عنه: “والله لا أحلُّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنَّ الطير تخطَّفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أنَّ الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزنَّ جيش أسامة”.

فخرج بنفسه مشيعًا للجيش، وأوصى أسامة بن زيد وجنده قائلًا: ” “يا أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تقعروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة.

وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء، فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رءوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله”. [تاريخ الطبري].

غريب الكلمات:

  • تغلوا: تخونوا في الغنائم.
  • تغدروا: تنقضوا العهد، أو تقاتلوا قبل عرض الإسلام عليهم.
  • تمثلوا: تقطعوا أطراف موتاهم.
  • تقعروا: تقطعوه من أصله.
  • المأكلة: كل ما يؤكل.
  • اخفقوهم: الخفق الضرب بشيء عريض.

وصيته لعمرو بن العاص والوليد بن عقبة

ذكر الطبري في تأريخه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى كلًا من عمرو بن العاص والوليد بن عقبة لما أرسلهما على الصدقة وصيةً واحدة فقال: “اتق الله في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرًا، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، إنك في سبيل من سبل الله، لا يسمك فيه الإدهان (الغش) والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم، وعصمة أمركم، فلا تن، ولا تفتر”.

كتب أبي بكر الصديق

كان الصديق رضي الله عنه على تواصل دائم مع الولاة وأمراء الجيوش؛ ما بين وعظ ونصح، وتوجيه وإرشاد؛ إمعانًا منه في تفقد رعيته، وحرضًا على إدارة مصالحهم وشؤونهم بنفسه، وتميزت كتبه بالفصاحة والبلاغة شأنها شأن أقوال أبي بكر الصديق كلها، وفيما يلي نستعرض أشهر كتبه.

كتاب أبي بكر الصديق لأهل الردة

ذكر الطبري في تأريخه أن الصديق رضي الله عنه لما عزم على مقاتلة المرتدين أرسل إلى كل القبائل كتابًا واحدًا طويلًا، كان مما جاء فيه:

أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله؛ فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه الله مخذول، فمن هداه الله كان مهتديًا، ومن أضله كان ضالًا، قال الله تعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}، ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقربه، ولم يقبل منه في الآخرة صرفًا ولا عدلًا.

وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به؛ اغترارًا بالله، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}، وقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.

وإني بعثت إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبى النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله”

كتابه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه

كذلك كان من أشهر مقولات أبي بكر الصديق وكتبه كتابه الذي أرسله إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه يستدعيه لنصرة جيوش المسلمين في جبهة الشام بعدما أبلى بلاءً حسنًا في العراق واستقرت أوضاعه، وكان نص كتابه كما ذكره الأزدي: “بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد، سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلِّي على نبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

أمَّا بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فدع العراق، وخلِّف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من اليمامة وصحبوك في الطريق، وقَدِموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة, والسلام عليك”، وفي روايةٍ أخرى: “إني قد ولَّيتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم، وأن تُسارع إلى مرضاة الله عزَّ وجلَّ وقتال أعداء الله، وكن ممَّن يُجاهد في الله حقَّ جهاده”.

أقوال أبي بكر الصديق وقت مرضه

ما زال الصديق ناصحًا للأمة حريصًا على ما ينفع المسلمين، ويبين لهم حقيقة الدنيا ومآلها، فها هو لما أقعده مرض الموت، جاء الناس يعودونه، فقالوا له: “ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني الطبيب، قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعَّال لما أريد” [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين].

ولما رأى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أولى الناس بالخلافة وأقدرهم عليها، وبعد أن استشار أهل الحل والعقد، وقف بين يدي الله متضرعًا يدعوه: “اللهم إني لم أُرِد بذلك إلا صلاحهم، وخِفتُ عليهم الفتنة، فعملتُ فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم؛ فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم وإليهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده، وأصلح له رعيته”.

وانظر إلى تقواه وزهده حين حضرته الوفاة، تقول عائشة رضي الله عنها: “تمثلت لما احتضر أبو بكر: (لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى… إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر)، فقال: ليس كذاك ولكن:{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}، ثم قال: إني قد نحلتك حائطًا، وإن في نفسي منه شيئًا فرديه على الميراث، قالت: نعم. قال: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهما ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين شيء إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، ففعلت”.

وهكذا كانت أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه نموذجًا بلاغيًا فريدًا، فرغم الإيجاز وسلاسة الألفاظ وبساطتها إلا أنها كانت وما زالت نبراسًا يُهتدى به، بما تنطوي عليه من معانٍ عميقة ونصائح نفيسة، كان باعثها ما وقر في قلب صاحبها من إيمان راسخ لا تزعزعه شهوات الدنيا ولا أكدارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *