تفسير سورة الضحى

تفسير سورة الضحى التفسير الميسر والسعدي وابن كثير مختصر

تفسير سورة الضحى إحدى سور القرآن الكريم وهي من السور المكية ونزلت بعد سورة الفجر وتقع في الجزء الثلاثين في المصحف الشريف، وهي من السور التي بدأت بقسم “والضحى”، وهو قسم من عند الله تعالى بإكرام رسوله صلى الله عليه وسلم وما أعطاه الله من الفضل العظيم في الآخرة.

سورة الضحى مكتوبة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

تفسير سورة الضحى

سبب نزول سورة الضحى

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي بِهِ

وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ …
قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ.

قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها .
فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾.

قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

تفسير ابن كثير

تفسير سورة الضحى التفسير الميسر

إحدى تفاسير القرآن في العصر الحديث وهو التفسير الميسر الذي يحتاجه كل مسلم ليتعلم ويتدبر كتاب الله تعالى وهذا تفسير سورة الضحى كالتالي:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

أقسم الله بوقت الضحى، والمراد به النهار كله, وبالليل إذا سكن بالخلق واشتد ظلامه. ويقسم الله بما يشاء من مخلوقاته, أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير خالقه، فإن القسم بغير الله شرك. ما تركك -أيها النبي- ربك, وما أبغضك بإبطاء الوحي عنك.

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

ولَلدَّار الآخرة خير لك من دار الدنيا, ولسوف يعطيك ربك -أيها النبي- مِن أنواع الإنعام في الآخرة, فترضى بذلك.

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)

ألم يَجِدْك من قبلُ يتيمًا, فآواك ورعاك؟ ووجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان, فعلَّمك ما لم تكن تعلم, ووفقك لأحسن الأعمال؟ ووجدك فقيرًا, فساق لك رزقك, وأغنى نفسك بالقناعة والصبر؟

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

فأما اليتيم فلا تُسِئْ معاملته, وأما السائل فلا تزجره, بل أطعمه, واقض حاجته, وأما بنعمة ربك التي أسبغها عليك فتحدث بها.

تفسير سورة الضحى للسعدي

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة.

وَمَا قَلاك الله أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج  الكمال، ودوام اعتناء الله به.

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

وأما حاله المستقبلة، فقال: { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى } أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يصعد في درج المعالي  ويمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل  إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب.

ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة.

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)

ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله  [الخاصة] فقال: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين، { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى } أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق.

{ وَوَجَدَكَ عَائِلًا } أي: فقيرًا { فَأَغْنَى } بما فتح الله عليك  من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها، فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكران.

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

تفسير سورة الضحى

ولهذا قال: { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } أي: لا تسيء معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك.

{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام  يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف [وإحسان]. وهذا يدخل فيه السائل للمال، والسائل للعلم، ولهذا كان المعلم مأمورًا بحسن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه، فإن في ذلك معونة له على مقصده، وإكرامًا لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد.

{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } [وهذا يشمل] النعم الدينية والدنيوية { فَحَدِّثْ } أي: أثن على الله بها، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة، وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله، داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن.

مقال ذات صلة: تفسير سورة القدر

تفسير سورة الضحى تفسير الجلالين

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

(والضحى) أي اول النهار أو كله، (والليل إذا سجى) غطى بظلامه أو سكن، (ما ودعك) تركك يا محمد (ربك وما قلى) أبغضك نزل هذا لما قال الكفار عند تأخر الوحي عنه خمسة عشر يومًا إن ربه ودعه وقلاه

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

(وللآخرة خير لك) لما فيها من الكرامات لك (من الأولى) الدنيا، (ولسوف يعطيك ربك) في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا (فترضى) به فقال صلى الله عليه وسلم إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين.

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)

(ألم يجدك) استفهام تقرير أي وجدك (يتيماً) بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها (فآوى) بأن ضمك إلى عمك أبي طالب، (ووجدك ضالا) عما أنت عليه من الشريعة (فهدى) أي هداك إليها، (ووجدك عائلا) فقيرا (فأغنى) أغناك بما قنعك به من الغنيمة وغيرها وفي الحديث ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس.

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

(فأما اليتيم فلا تقهر) بأخذ ماله أو غير ذلك، (وأما السائل فلا تنهر) تزجره لفقره، (وأما بنعمة ربك) عليك بالنبوة وغيرها (فحدث) أخبر ، وحُذف ضميره صلى الله عليه وسلم في بعض الأفعال رعاية للفواصل.

تفسير سورة الضحى ابن كثير مختصر

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

تفسير سورة الضحى

وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} أي سكن فأظلم وادلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى، كما قال تعالى: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} [الليل: 1-2]، وقال تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [الأنعام: 96]، وقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} أي ما تركك {وَمَا قَلَىٰ} أي وما أبغضك.

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى (4)

{وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحاً، كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خيَّر عليه السلام في آخر عمره، بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عزَّ وجلَّ، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية،

ورى الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : “اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها”.

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

وقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أُمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي.

وروي عن ابن عباس أنه قال: حديث : “عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أُمته من بعده كنزاً كنزاً فسرّ بذلك، فأنزل الله {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم ، وقال السدي عن ابن عباس: من رضاء محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، قال الحسن: يعني بذلك الشفاعة.

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6)

ثم قال تعالى يعدّد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره،

هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.

وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7)

وقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} كقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} [الشورى: 52] ، ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضلّ في شعاب مكّة وهو صغير ثم رجع، وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام وكان راكباً ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق، حكاهما البغوي.

وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)

وقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} أي كنت فقيراً ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس” ، وفي “صحيح مسلم” عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه .

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9)

ثم قال تعالى: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} أي كما كنت يتيماً فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، أي لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به، وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم،

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)

{وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} أي وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد، قال ابن إسحاق: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} أي فلا تكن جباراً ولا متكبراً، ولا فحاشاً ولا فظاً على الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة: يعني ردّ المسكين برحمة ولين،

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور: ” واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها وأتمها علينا”، وعن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها، وفي الصحيحين عن أنس حديث : أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم”

وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يشكر الله من لا يشكر الناس”،وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن، وقال الحسن بن علي: ما عملت من خير فحدّث إخوانك، وقال ابن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة، فحدث بها واذكرها وادع إليها.

تابع أيضًا: بعض سور القرآن الكريم بالشرح

تفسير سورة الصحى للشعراوي

وختامًا فهذا تفسير سورة الضحى من التفسير الميسر والسعدي والجلالين وابن كثير مختصر، فاللهم وفقنا لطاعتك وارزقنا جنتك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *